تدخل الزراعة في منطقة الجزيرة السورية موسماً جديداً وسط ضغوط مالية وإنتاجية متزايدة، مع اقتراب موعد بدء أعمال الفلاحة الخريفية، بينما لا تزال مستحقات محصول القمح للموسم الماضي غير مصروفة لكثير من المزارعين، بالتزامن مع الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات، ولا سيما المازوت المستخدم في تشغيل الجرارات ومضخات الري.
وتدفع هذه الظروف مزارعين إلى تقليص المساحات التي يعتزمون زراعتها، فيما يفكر آخرون في الاكتفاء بالمحاصيل البعلية التي تعتمد على الأمطار، بعدما أصبحت الزراعة المروية أكثر كلفة من قدرتهم على التحمل، وسط مخاوف من انعكاس ذلك على الإنتاج الزراعي واتساع مظاهر التصحر في منطقة تعتمد مساحات واسعة منها على الزراعة كمصدر أساسي للدخل.
اقرأ أيضاً: استقرار الليرة السورية أمام العملات الأجنبية: العوامل المؤثرة والتحديات القادمة
مستحقات معلقة وكلفة إنتاج متصاعدة
يقول مزارعون إن المشكلة لا تتعلق بسعر المحروقات وحده، إذ تتداخل معها أزمة مستحقات المحاصيل السابقة وعدم وضوح آليات التسويق والشراء للموسم المقبل، ما يجعل قرار زراعة الأرض محفوفاً بمخاطر مالية كبيرة.
ويشير أحد المزارعين من ريف الدرباسية الغربي إلى أن حراثة نحو 100 دونم تحتاج إلى قرابة برميلين من المازوت، بكلفة تتجاوز خمسة ملايين ليرة سورية بالعملة القديمة، وهو مبلغ بات يشكل عبئاً كبيراً على المزارعين، خصوصاً في ظل عدم حصولهم على مستحقاتهم عن محصول القمح السابق.
ويضيف أن المشكلة تتفاقم بسبب نوعية المحروقات المتوفرة في الأسواق، موضحاً أن استخدام كمية من المازوت اشتراها بالدين تسبب بتعطل جراره الزراعي، ما اضطره إلى دفع نحو 200 دولار لإصلاحه. ويقول إن استمرار ارتفاع التكاليف يضعه أمام خيار صعب بين مواصلة تجهيز أرضه للموسم الجديد أو تركها من دون زراعة.
اقرأ أيضاً: فدية بثلاثمئة ألف دولار وراء اختطاف مدرس بالحسكة
الزراعة البعلية تتحول إلى خيار اضطراري
في ريف القحطانية، تبدو حسابات المزارعين أكثر تعقيداً، إذ لم يحسم بعضهم حتى الآن قرار زراعة أراضيهم، في ظل ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وعدم وضوح العائد المتوقع من المحاصيل.
ويشير أحد المزارعين هناك إلى أن الاعتماد على الزراعة البعلية سيكون شبه كامل بالنسبة إلى كثير من أصحاب الأراضي، بعدما أصبحت عملية تشغيل المحركات لسحب المياه من الآبار مكلفة إلى درجة تفوق إمكانات عدد كبير من المزارعين.
ولا تقتصر المخاوف على تكاليف الزراعة، إذ يقول المزارعون إن عدم وضوح الجهة التي ستشتري المحاصيل وآليات التسويق والأسعار التي ستُعتمد لاحقاً يزيد من صعوبة اتخاذ القرار. ويأتي ذلك في وقت لم تُسدّد فيه، بحسب شهادات مزارعين، مستحقات محصول القمح السابق حتى الآن، رغم اقتراب مواعيد إنتاج بعض المحاصيل الصيفية، ما يضع المزارع أمام دورة إنتاج جديدة من دون سيولة كافية.
اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 4-10-2026
تقليص المساحات المروية
في القرى الواقعة شرقي عامودا، بدأ ارتفاع كلفة الري يغيّر خيارات المزارعين، إذ يتجه بعضهم إلى تقليص المساحات المروية والاعتماد بصورة أكبر على المحاصيل البعلية والبقوليات الشتوية.
ويحتاج تشغيل مضخات استخراج المياه إلى كميات كبيرة من المازوت، ما يجعل تكلفة الري في الموسم الحالي أعلى بكثير من السنوات السابقة، عندما كان المزارعون يحصلون على كميات من المازوت الزراعي بأسعار مدعومة وفق السجلات الزراعية.
ومع اتساع الفارق بين الأسعار الحالية وتلك التي كان يحصل بها المزارعون على المحروقات الزراعية سابقاً، باتت الأمطار بالنسبة إلى كثير منهم بديلاً اضطرارياً عن الري، وليس مجرد خيار زراعي مرتبط بطبيعة المحصول.
ويحذر مزارعون من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع إلى مزيد من تقليص المساحات المزروعة، ولا سيما الأراضي التي تحتاج إلى الري المنتظم، ما يعني تراجع الإنتاج في منطقة تعد من أبرز المناطق الزراعية في سوريا.
مخاوف تتجاوز خسارة موسم واحد
تشير الصورة العامة إلى أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بموسم زراعي واحد، بل قد تمتد آثارها إلى السنوات المقبلة، في حال استمر ارتفاع تكاليف الإنتاج بالتوازي مع تأخر دفع مستحقات المحاصيل وعدم وجود رؤية واضحة بشأن تسويق الإنتاج.
فالزراعة المروية، التي تحتاج إلى الوقود لتشغيل المضخات، أصبحت الأكثر تعرضاً للضغط، بينما قد يؤدي التحول الواسع نحو الزراعة البعلية إلى زيادة اعتماد الإنتاج على معدلات الهطول المطري، وبالتالي ارتفاع احتمالات تراجع المحاصيل في المواسم الجافة.
وفي منطقة ترتبط فيها معيشة عشرات آلاف الأسر بالزراعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فإن تقليص المساحات المزروعة لا يعني خسارة المزارع وحده، بل ينعكس على العمالة الزراعية والنقل والتجارة المحلية وسلاسل توفير الغذاء.
وتضع هذه المعطيات القطاع الزراعي في الجزيرة أمام موسم حساس، تتقاطع فيه أزمة المحروقات مع تأخر المستحقات وارتفاع تكاليف الإنتاج، فيما يبقى حجم المساحات التي ستدخل فعلياً في الموسم الجديد مرتبطاً بقدرة المزارعين على تأمين الوقود والسيولة اللازمة، وبمدى وضوح آليات شراء وتسويق المحاصيل.
ومع استمرار هذه الضغوط، تتزايد المخاوف من أن يتحول تقليص الزراعة المروية والاعتماد المتزايد على الأمطار من إجراءات مؤقتة للتعامل مع ارتفاع التكاليف إلى واقع دائم، بما قد يفاقم تراجع الإنتاج الزراعي ويزيد من مظاهر التصحر في الجزيرة السورية.