قرى العرقوب بين تداعيات الحرب وتراجع مقومات الحياة

2026.10.05 - 12:37
Facebook Share
طباعة

لا تتوقف آثار الحرب في قرى العرقوب عند حدود الأضرار المباشرة أو المخاوف الأمنية، إذ باتت تفاصيل الحياة اليومية نفسها تحمل كلفة إضافية على السكان. فالطرق التي تغيّرت مساراتها، وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية، وارتفاع كلفة نقل البضائع، إلى جانب تفاوت الخدمات الأساسية، كلها عوامل دفعت القرى الحدودية إلى مواجهة واقع من العزلة يضغط على السكان الذين اختاروا البقاء في بلداتهم.
وفي كفرحمام وراشيا الفخار تبدو التداعيات متفاوتة بين بلدة وأخرى، سواء على مستوى الكهرباء والمياه أو الوضع الأمني، لكن المشترك بينهما هو تراجع القدرة على العمل وتأمين الاحتياجات، في ظل استمرار تأثير الوضع الميداني على حركة السكان والاقتصاد المحلي.

اقرأ أيضاً: ملف عالق منذ 12 عاماً.. هل تنصف الحكومة اللبنانية المساعدين القضائيين؟


كفرحمام.. الأمن في صدارة المخاوف
يرى رئيس بلدية كفرحمام معضاد رحال أن معالجة واقع البلدة لا يمكن اختصارها بملف الخدمات، لأن العامل الأمني يبقى في مقدمة الأولويات بالنسبة إلى السكان.
ويشير رحال إلى وجود ثغرات تحتاج، برأيه، إلى انتشار أكثر فاعلية للجيش، بحيث لا يقتصر الأمر على الحواجز الثابتة، وإنما يوفّر حماية أكبر للأهالي وممتلكاتهم في البلدة الحدودية.
لكن الضغوط لا تنتهي عند الوضع الأمني، إذ تواجه كفرحمام تراجعاً واضحاً في التغذية الكهربائية، فيما لا تزال أزمة المياه حاضرة في أجزاء من البلدة. وقد ساهم تأهيل اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأحد الآبار في تخفيف حدة الأزمة، إلا أن المشكلة لم تنته بالكامل، ولا سيما في الحي الشرقي.
وفي ظل ضعف الإمكانات، ساهمت تدخلات مجلس الجنوب في تأمين الحد الأدنى من الخدمات، بحسب رحال، الذي ينتقد في المقابل طريقة عمل بعض الجمعيات، معتبراً أن المساعدات لا تتطابق دائماً مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

اقرأ أيضاً: بعد تدمير الجسر.. معبر مؤقت يعيد وصل صيدا بصور


السكان بين الخوف والتمسك بالبلدة
لا تنفصل هذه الظروف عن الواقع النفسي الذي يعيشه سكان كفرحمام. وتقول فادية شحرور إن أصوات الانفجارات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في البلدة، وقد توقظ السكان وتعيد إليهم الإحساس بعدم الأمان.
إلا أن شحرور تشير إلى أن الضغوط المعيشية باتت تضاهي المخاوف الأمنية، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بالتوازي مع ضعف الكهرباء والاتصالات وارتفاع تكاليف النقل، وهي عوامل جعلت تأمين الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة.
ورغم الأضرار التي لحقت بعدد من المنازل، لا ترى شحرور في مغادرة البلدة حلاً، مؤكدة أن السكان لا يريدون تركها أو التخلي عنها، فيما توفر القرية، رغم نقص الخدمات، ما تصفه بمساحة من التنفس والحرية النفسية لا يجدها كثيرون في زحمة العاصمة.


راشيا الفخار.. استقرار نسبي لا يلغي الخسائر
على الجانب الآخر، تبدو الظروف في راشيا الفخار أكثر استقراراً نسبياً، وفق عضوة المجلس البلدي فيروز عبود، التي تشير إلى استمرار السكن في نحو 70 إلى 80 منزلاً داخل البلدة.
وعلى المستوى الأمني، يساهم انتشار الجيش في تعزيز شعور السكان بالأمان، بينما تمكنت البلدة من تجنب أزمة المياه التي طالت مناطق مجاورة. كما استطاعت البلدية تأمين الكهرباء للسكان، ما جعل الخدمات الأساسية أكثر استقراراً مقارنة ببلدات أخرى في المنطقة.
لكن هذا الاستقرار لا يعني أن راشيا الفخار بقيت بمنأى عن تداعيات الحرب الاقتصادية. فالزراعة، التي شكلت تاريخياً أحد مصادر الدخل الرئيسية للأهالي، تلقت ضربة مباشرة بعدما تعذر على السكان الوصول إلى محاصيلهم خلال العام الحالي نتيجة الظروف الميدانية.
وتختصر عبود حالة القلق التي ترافق الأهالي بسؤال يومي عن المستقبل، في ظل عدم وضوح الظروف التي سيعيشونها في المرحلة المقبلة.


الطريق الأطول يرفع أسعار السلع
تظهر آثار الحرب أيضاً في الحركة التجارية داخل البلدتين، حيث يواجه أصحاب المحال والتجار تراجعاً في عدد الزبائن والوافدين، بالتزامن مع تقلص مداخيل السكان وتحول الإنفاق نحو السلع الأساسية والاحتياجات الضرورية فقط.
ويشير نجيب سمور، صاحب محل في كفرحمام، وداني بطرس، تاجر في راشيا الفخار، إلى انخفاض واضح في النشاط التجاري، فيما أصبح ارتفاع كلفة نقل البضائع عاملاً إضافياً يضغط على التجار والمستهلكين معاً.
وبعد تعطل طريق الليطاني نتيجة العدوان، اضطر نقل السلع القادمة من بيروت إلى سلوك طرق أطول، ما أدى إلى ارتفاع أجور الشحن وانعكس مباشرة على تكلفة البضائع داخل القرى.
وللحفاظ على توفر السلع في الأسواق المحلية، يقول تجار إنهم يضطرون أحياناً إلى نقل البضائع بأنفسهم، أو الاستعانة بأحد أبناء البلدة لإتمام عملية النقل، في خطوة تعكس حجم الصعوبات التي فرضتها تغيرات الطرق والحركة التجارية.


الزراعة تدفع الثمن أيضاً
لا يقتصر أثر العزلة على ارتفاع كلفة النقل أو تراجع حركة الأسواق، إذ تمتد تداعياتها إلى الأراضي الزراعية نفسها. ففي راشيا الفخار، حال الوضع الميداني دون وصول السكان إلى جزء من محاصيلهم، ما حرمهم من مورد كان يشكل مصدراً أساسياً للدخل.
أما في كفرحمام، فتتداخل المخاوف الأمنية مع ارتفاع تكاليف المعيشة والنقل وضعف الخدمات، لتجعل استمرار العمل الزراعي والتجاري أكثر صعوبة.
وبينما تختلف قدرة البلدتين على تأمين الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، يبقى سكانهما أمام واقع مشترك فرضته الظروف الميدانية: طرق أطول، حركة تجارية أضعف، زراعة يصعب الوصول إليها، وكلفة معيشية ترتفع تدريجياً.
وهكذا، لا تقاس تداعيات الحرب في قرى العرقوب بعدد الأضرار المادية وحدها، بل أيضاً بما تتركه من تغيير في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يصبح الوصول إلى الأرض أو السوق أو حتى تأمين الاحتياجات الأساسية عملية أكثر كلفة وتعقيداً، فيما يتمسك الأهالي بالبقاء في بلداتهم رغم هذه الضغوط المتراكمة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2

اقرأ أيضاً