دخلت المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حساسية، بعدما قدمت طهران ردها على المقترح الأمريكي الأخير، في وقت تبدو فيه أولويات الطرفين مختلفة بشأن الخطوة التي ينبغي أن تبدأ بها أي تسوية جديدة.
فبينما يتركز الطرح الأمريكي بدرجة أساسية على الملف النووي، تقول طهران إن الأولوية الحالية هي استعادة الأمن في مضيق هرمز، وتربط عودة حركة الملاحة الطبيعية بتنفيذ مجموعة من الشروط التي سبق أن طرحتها ضمن التفاهم المرحلي بين الجانبين.
وفي المقابل، يقترب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اتخاذ قرار بشأن المسار المقبل، بعدما قال إن بلاده وصلت إلى مرحلة تحديد كيفية التعامل مع إيران، واضعاً الخيارات بين تسوية وصفها بـ"السهلة" وأخرى "صعبة".
اقرأ أيضاً: دوي انفجار قرب قشم يفتح باب التكهنات في مضيق هرمز
طهران: الملف النووي ليس نقطة البداية
قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن بلاده أوضحت عبر وسطاء موقفها من الرد الأمريكي، لكنها لا تزال تعتزم إرسال نقاط إضافية إلى واشنطن.
وأوضح أن المقترحات الأمريكية لا تبتعد كثيراً عن مواقف سابقة، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي، مشيراً إلى أن طهران أبلغت الوسطاء بأن تركيزها في المرحلة الحالية ينصب على مضيق هرمز وعودة الأمن إلى الممر المائي.
وبحسب بقائي، فإن تحقيق ذلك يتطلب من الولايات المتحدة اتخاذ خطوات واضحة، في إشارة إلى أن طهران لا ترى أن فتح المضيق يمكن أن يتم بمعزل عن التزامات أمريكية محددة.
كما نفى المسؤول الإيراني أن تكون بلاده قد عرضت السماح بعمليات تفتيش من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنشآتها النووية مقابل تخفيف العقوبات الأمريكية، مؤكداً أن طهران لم تدخل في مفاوضات نووية مباشرة مع واشنطن في هذا الإطار. وتنسجم هذه النقطة مع ما نقلته مصادر مطلعة عن استمرار الخلاف حول ترتيب تنفيذ الإجراءات أكثر من الخلاف على عناصر الخطة نفسها.
اقرأ أيضاً: هرمز تحت الضغط واستهداف سبع ناقلات خلال خمسة
سبعة أيام لإعادة بناء الثقة
تشير وثيقة يجري تداولها بشأن الاتصالات إلى اقتراح فترة لبناء الثقة مدتها سبعة أيام، تهدف إلى إعادة الطرفين إلى نسخة محسنة من مذكرة التفاهم التي توصلا إليها في يونيو.
وتتضمن الخطة، وفق مسؤول مطلع على المحادثات، إجراءات ملموسة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، فيما يتمحور الخلاف الأساسي حول التسلسل الذي ستنفذ من خلاله الخطوات، وليس بالضرورة حول مضمونها.
وكانت طهران قد طرحت خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة صيغة تقضي بإعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة خلال سبعة أيام، في حال استيفاء الشروط الإيرانية، قبل أن تنقل الولايات المتحدة ردها على المقترح عبر وسطاء قطريين.
هرمز مرتبط بالشروط الإيرانية
في أحدث المواقف الإيرانية، قال رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف إن المضيق لن يعاد فتحه قبل تنفيذ الشروط الإيرانية السبعة الواردة في التفاهم المرحلي المبرم مع الولايات المتحدة في يونيو.
وأكد أن موقف طهران، بحسب تعبيره، واضح وحازم، وأن إعادة فتح المضيق مرتبطة بتنفيذ تلك الشروط المستندة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد.
وأضاف أن المرحلة التي وصفها بالمماطلة الدبلوماسية وفرض المطالب الأحادية انتهت، في رسالة تعكس تمسك طهران بأن تكون مسألة هرمز جزءاً أساسياً من أي تسوية مقبلة.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتواصل فيه الوساطة القطرية بين واشنطن وطهران، سعياً إلى تضييق الفجوات وإعادة العمل بالتفاهم الذي سبق أن أفضى إلى تهدئة مؤقتة، قبل أن تتعثر مساراته لاحقاً.
ترامب يقترب من تحديد المسار
على الجانب الأمريكي، قال ترامب إن إدارته وصلت إلى مرحلة اتخاذ قرار بشأن إيران، متحدثاً عن خيارين للتعامل مع الملف، أحدهما عبر ما وصفه بـ"الطريقة السهلة"، والآخر عبر "الطريقة الصعبة".
وقال ترامب، في تصريحات صحفية بالبيت الأبيض، إن الضربات الأمريكية السابقة "دمرت إيران فعلياً"، مضيفاً أن السؤال المطروح أمام إدارته يتمثل في كيفية حل المسألة، في ظل استمرار التوتر العسكري والسياسي.
وفي تصريحات أخرى لاحقة، قال الرئيس الأمريكي إن إيران تخلت فعلياً عن خططها لامتلاك سلاح نووي، مؤكداً في الوقت نفسه أنه سيتخذ قراراً بشأن الخطوات المقبلة قريباً.
ويأتي ذلك بالتزامن مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من نوفمبر، بينما لا تزال احتمالات استئناف العمليات العسكرية مطروحة إلى جانب المسار الدبلوماسي.
عراقجي: مستعدون للتسوية والرد
في طهران، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لا تزال مستعدة للوصول إلى "حل عادل" مع الولايات المتحدة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي تسوية بشأن مضيق هرمز مرتبطة بالتزامات يتعين على واشنطن قبولها.
وقال عراقجي أمام سفراء ودبلوماسيين إن إيران تأمل في أن تختار الولايات المتحدة المسار الدبلوماسي، لكنه حذر من أن بلاده مستعدة للرد في حال قررت واشنطن العودة إلى الخيار العسكري.
وأضاف أن إيران ستكون، في حال استئناف العمليات العسكرية الأمريكية، أكثر استعداداً مما كانت عليه سابقاً، وستتخذ الإجراءات التي تراها ضرورية للدفاع عن نفسها.
وكانت مصادر مطلعة قد قالت الأسبوع الماضي إن إيران تستعد لرد أوسع وأشد في حال استئناف واشنطن هجمات عسكرية واسعة النطاق، بينما تواصل طهران في الوقت نفسه إرسال إشارات باتجاه إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
وبذلك، لا تبدو العقدة الحالية محصورة في مضمون الاتفاق المقترح، بل في نقطة البداية وترتيب الالتزامات: واشنطن تدفع باتجاه معالجة الملف النووي، فيما تصر طهران على أن أمن مضيق هرمز وشروط إعادة فتحه يجب أن يحظيا بالأولوية، في وقت يبقى فيه القرار الأمريكي المقبل عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الاتصالات ستتجه نحو تسوية جديدة أم نحو جولة أخرى من التصعيد.