يدخل لبنان موسم التدفئة وسط ضغوط متزايدة على سوق الديزل عالميًا، مع اضطراب الإمدادات وتقييد بعض الصادرات وطرح استخدام المخزونات الطارئة. وتنعكس هذه التطورات على أكثر من مستوى، بدءًا من سعر المازوت، مرورًا بكلفة المولدات والنقل، وصولًا إلى أعباء الإنتاج والتدفئة.
أقرا أيضاً:الجيش اللبناني يوقف شحنة متفجرات على الحدود مع سوريا
في 1 أكتوبر، كشفت وكالة «رويترز» أن الإدارة الأميركية طلبت من فرنسا وألمانيا الإفراج عن كميات من مخزونات الديزل الطارئة لزيادة المعروض والمساعدة في خفض الأسعار، بالتوازي مع بحث احتمال فرض قيود على صادرات الديزل الأميركية. ونقلت الوكالة عن مصدر أوروبي أن واشنطن طلبت من الاتحاد الأوروبي طرح 120 مليون برميل خلال 6 أشهر، بينما ظل خيار الحظر قيد الدراسة ولم يدخل حيز التنفيذ وفق المعطيات المتاحة.
أثارت المطالب الأميركية مشاورات داخل أوروبا بشأن استخدام المخزونات، وسط مفاضلة بين تهدئة الأسعار في المدى القصير والاحتفاظ باحتياطي لمواجهة أي نقص طويل الأمد. ووفق «فايننشال تايمز»، لم تنتهِ المشاورات التي جرت في 1 أكتوبر إلى قرار بالإفراج عن الكميات.
في الصين، اتخذت المصافي خطوة زادت الضغط على سوق المشتقات، بعدما علقت صادرات المنتجات النفطية خلال أكتوبر إلى وجهات خارج هونغ كونغ وماكاو، مع إعطاء الأولوية للسوق المحلية. وألغت «بتروتشاينا» شحنات من البنزين ووقود الطائرات كانت مقررة خلال الشهر، فيما بقي توقيت استئناف الصادرات بعد 7 أكتوبر غير محسوم.
أقرا أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في لبنان بتاريخ 1_10_2026
تزامن ذلك مع تراجع واضح في تدفقات الديزل والغازويل. وأظهرت بيانات وكالة الطاقة الدولية في تقرير سبتمبر 2026 أن صافي صادرات هذه المنتجات من دول الخليج وروسيا انخفض في أغسطس بمقدار 1.6 مليون برميل يوميًا مقارنة بفبراير. وبلغ صافي صادرات الخليج نحو 390 ألف برميل يوميًا، أي ما يزيد قليلًا على ربع مستويات ما قبل الحرب، في حين ساهمت اضطرابات المصافي الروسية في تشديد الضغوط.
ارتفعت أسعار المشتقات نتيجة نقص المعروض، إذ تجاوز الديزل والغازويل في الولايات المتحدة 200 دولار للبرميل مطلع سبتمبر، بزيادة 94% عن مستويات ما قبل الحرب، وفق وكالة الطاقة الدولية. كما بلغ تشغيل المصافي عالميًا 81.4 مليون برميل يوميًا في أغسطس، بانخفاض 4.2 ملايين برميل يوميًا عن الشهر نفسه من العام السابق.
لا يتحرك سعر المازوت بالضرورة مع النفط الخام بالوتيرة نفسها، إذ تحدده أيضًا قدرة المصافي ومعدلات تشغيلها وحجم المنتجات المتاحة للتصدير، إضافة إلى تكاليف الشحن والتأمين والمنافسة على الشحنات.
انعكاسات مباشرة على لبنان
في السوق اللبنانية، بلغ سعر صفيحة المازوت، سعة 20 لترًا، وفق جدول 29 سبتمبر، نحو 2,756,000 ليرة، بانخفاض 15 ألف ليرة عن التسعيرة السابقة. لكن الانخفاض المحدود لا يسمح بتحديد اتجاه الأسعار المقبلة، إذ يتوقف ذلك على كلفة الشحنات التي تؤمنها الشركات المستوردة وتوقيت شرائها ووصولها.
تظهر حساسية السوق بصورة أوضح في قطاع المولدات الخاصة. فقد حددت وزارة الطاقة والمياه في 1 أكتوبر تعرفة سبتمبر عند 52,840 ليرة لكل كيلوواط ساعة في المدن والتجمعات المكتظة والمناطق الواقعة على ارتفاع أقل من 700 متر، و58,124 ليرة في المناطق المتباعدة أو التي يزيد ارتفاعها على 700 متر.
احتُسبت التعرفة على أساس متوسط سعر للمازوت بلغ 2,675,217 ليرة للصفيحة خلال سبتمبر. وبحسب التسعيرة المعلنة، تصل كلفة مشترك بقدرة 5 أمبير واستهلاك 100 كيلوواط ساعة شهريًا في المدن إلى نحو 5,669,000 ليرة، شاملة بدل الاستهلاك والرسم الثابت.
لا يمكن تحديد تعرفة الأشهر المقبلة مسبقًا، لأنها ترتبط بمتوسط سعر المازوت وبقية عناصر التشغيل. وفي حال استمر الوقود بالارتفاع، ستواجه المولدات زيادة في كلفة الإنتاج قد تنعكس على قيمة الفواتير.
يمتد الأثر المحتمل إلى قطاعات تعتمد بصورة كبيرة على الديزل، مثل النقل والمصانع والورش والزراعة والتبريد والتدفئة. وقد تضطر المؤسسات إلى استيعاب جزء من الزيادة ضمن هوامشها أو تحميلها على أسعار المنتجات والخدمات، بحسب حجم استهلاكها وقدرتها على تحمل الكلفة.
حتى في حال لم يعتمد لبنان على شحنات ديزل أميركية مباشرة، فإن أي نقص في المعروض العالمي قد يدفع المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة، ما يزيد المنافسة على الشحنات المتاحة ويرفع كلفة التوريد والنقل. ولا يعني ذلك وجود نقص حالي في السوق اللبنانية أو تعثر شحنات محددة، إذ تبقى هذه التداعيات مرتبطة بتطورات الإمدادات العالمية.
مسار الأسعار في المرحلة المقبلة
يتوقف اتجاه المازوت في لبنان على مجموعة عوامل، أبرزها حجم المعروض العالمي، قرارات الدول المصدرة، أداء المصافي، كلفة النقل والتأمين، وحجم الطلب المحلي مع بدء موسم التدفئة.
يمكن للإفراج عن المخزونات الطارئة أن يخفف الضغط على السوق إذا جرى على نطاق واسع، بينما قد يؤدي استمرار القيود على الصادرات واضطرابات المصافي إلى زيادة المنافسة على الإمدادات.
بالنسبة إلى لبنان، تزداد حساسية الملف مع ارتفاع الطلب الموسمي على المازوت. وأي ارتفاع مستمر في كلفة الاستيراد قد ينتقل إلى المولدات والتدفئة والنقل والإنتاج، ما يضيف ضغطًا جديدًا على الأسر والقطاعات الاقتصادية خلال الأشهر المقبلة.