دمشق تضبط الإنفاق.. هل يصل التقشف الحكومي إلى جيب المواطن؟

وكالة أنباء آسيا

2026.09.29 - 14:16
Facebook Share
طباعة

موازنة تحت الضغط
دخلت المالية العامة في سوريا مرحلة جديدة من ضبط الإنفاق، مع توجيه رئاسي إلى الوزارات والجهات العامة لخفض النفقات غير الضرورية وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية، في محاولة لتعزيز الانضباط المالي وتوجيه الموارد المحدودة نحو الخدمات والقطاعات الأكثر إلحاحاً.
وتأتي الإجراءات في وقت أظهرت فيه بيانات وزارة المالية للنصف الأول من عام 2026 أن الإيرادات العامة بلغت نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق عام قارب 3.7 مليارات دولار، ما يعكس فجوة مالية تقارب مليار دولار خلال ستة أشهر.

اقرأ أيضاً: 3 أسعار للمازوت في سوريا.. هل تحاصر الجودة السوق السوداء؟


خفض النفقات
تتضمن التوجيهات الحكومية مراجعة أوجه الإنفاق القابلة للترشيد، وإعادة تقييم المشاريع الاستثمارية وفق درجة ضرورتها ونسبة إنجازها والتزاماتها القائمة وأثرها الاقتصادي والخدمي.
وبحسب التوجيهات الرسمية، لا تشمل إجراءات الخفض الرواتب والأجور والنفقات الضرورية لاستمرار خدمات الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إضافة إلى أعمال الصيانة التشغيلية والوقائية الأساسية.
وأكد وزير المالية محمد يسر برنية أن الهدف لا يتمثل في خفض الإنفاق بصورة عشوائية، وإنما في تحسين كفاءة استخدام الموارد المتاحة وتأجيل ما يمكن تأجيله من المشاريع دون التأثير الجوهري على الخدمات أو النشاط الاقتصادي.

اقرأ أيضاً: قبلاوي يعتذر.. تصريح "القطيع" يشعل الجدل حول السورية للبترول


غربلة المشاريع
تضع الإجراءات المشاريع الاستثمارية أمام عملية إعادة ترتيب، بحيث تحظى المشاريع المرتبطة باستمرارية الخدمات الأساسية وحماية البنى التحتية والأصول الحيوية والجدوى الاقتصادية والمالية بالأولوية.
أما المشاريع الأقل إلحاحاً، فمن المقرر إعادة النظر في توقيتها وإمكانية تأجيلها، بما يسمح بتوجيه الاعتمادات المتاحة إلى احتياجات أكثر أولوية في المرحلة الحالية.
ويطرح هذا التوجه تحدياً مزدوجاً أمام الحكومة، إذ إن تقليص الإنفاق الاستثماري قد يوفر سيولة على المدى القصير، لكنه قد يؤثر في وتيرة تنفيذ مشاريع البنية التحتية إذا طال أمد التأجيل.

اقرأ أيضاً: الراتب أمام كلفة المعيشة.. فجوة تتسع في سوريا


أزمة سيولة
تكشف الأرقام الرسمية عن ضيق واضح في الموارد المالية المتاحة للدولة. فالإيرادات البالغة 2.7 مليار دولار خلال النصف الأول جاءت أقل من الإنفاق البالغ 3.7 مليارات، ما يضع المالية العامة أمام الحاجة إلى ضبط المصروفات وتحسين التحصيل في الوقت نفسه.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الإيرادات الحكومية في سوريا تراجعت خلال السنوات الماضية إلى أقل من 5% من الناتج المحلي، مقارنة بنحو 20% قبل الحرب، نتيجة تراجع الإيرادات النفطية والضريبية وضعف القدرة على التحصيل، ما قلص الحيز المالي المتاح أمام الدولة.


المواطن في الواجهة
رغم استثناء الرواتب والخدمات الأساسية من إجراءات الخفض المعلنة، فإن تأثير السياسة المالية قد يظهر بصورة غير مباشرة إذا أدى تقليص الإنفاق الحكومي إلى تباطؤ المشاريع أو تراجع الطلب على السلع والخدمات المرتبطة بالإنفاق العام.
وفي المقابل، فإن تحسين كفاءة الإنفاق قد يتيح توجيه الموارد المحدودة إلى القطاعات الأكثر حاجة، وهو ما تربطه الحكومة بهدف الحفاظ على الخدمات الأساسية وتعزيز استدامة الموازنة.
ويظل حجم التأثير الفعلي على المواطنين مرتبطاً بكيفية تنفيذ الإجراءات، ومدى قدرة الحكومة على تعويض الوفورات الناتجة عن خفض المصروفات بزيادة الإيرادات وتحسين التحصيل، بدلاً من الاكتفاء بإعادة توزيع الإنفاق القائم.


فجوة الإعمار
لا تتوقف الضغوط المالية عند احتياجات الموازنة الجارية، إذ تواجه سوريا في الوقت نفسه فاتورة إعادة إعمار ضخمة.
ويقدّر البنك الدولي كلفة إعادة بناء الأصول والبنى التحتية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، استناداً إلى تقييم للأضرار خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2024، وهو رقم يوضح الفارق الكبير بين الموارد المالية المتاحة وحجم الاحتياجات طويلة الأجل.
وفي آذار 2026، أقر البنك الدولي منحة بقيمة 20 مليون دولار لتعزيز إدارة المالية العامة والمشتريات والرقابة على استخدام الأموال، في إطار دعم إصلاح المؤسسات المالية السورية.


إصلاح أم تأجيل؟
يضع ذلك الحكومة أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على الخدمات والإنفاق الضروري من جهة، وضبط العجز وإعادة بناء القدرة المالية للدولة من جهة أخرى.
فالترشيد يمكن أن يوفر هامشاً مالياً في الأجل القصير، لكن استدامة المالية العامة تحتاج أيضاً إلى توسيع قاعدة الإيرادات وتحسين التحصيل ورفع كفاءة المؤسسات وتحفيز النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع حماية الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 7

اقرأ أيضاً