ليالٍ تحت وطأة المداهمات
شهدت قرى في القنيطرة وريف درعا الغربي خلال أيلول تصاعداً في التوغلات والعمليات العسكرية الإسرائيلية، ترافقت في عدد من الحالات مع مداهمة منازل وتفتيشها واحتجاز شبان ورجال، إلى جانب إطلاق النار واستخدام الكلاب البوليسية، وسط مخاوف متزايدة بين السكان من اتساع نطاق هذه العمليات.
وتشير وقائع موثقة خلال الشهر إلى تكرار هذه التحركات في الرفيد وطرنجة وعابدين وصيدا الحانوت وعين العبد وبريقة والحميدية والأصبح وكودنة، بالتزامن مع قصف مدفعي وتحركات لآليات عسكرية في مناطق متفرقة من الجنوب السوري.
اقرأ أيضاً: حريق ضخم في خط للغاز قرب الشولا جنوبي دير الزور
اقتحام ليلي
في بلدة الرفيد بريف القنيطرة، تكررت خلال أيلول عمليات دخول إلى الأحياء والمنازل، بينها مداهمة ليلية انتهت باقتياد أشخاص من داخل أحد المنازل، وفق معطيات محلية.
وفي 22 أيلول، دخلت دورية عسكرية إلى الحي الغربي من الرفيد قرب نقطة تابعة للأمم المتحدة، وفتشت عدداً من المنازل. كما وثقت مصادر أخرى عملية توغل سابقة في البلدة شملت تفتيش منازل واقتياد أب وابنه إلى داخل الجولان السوري المحتل قبل الإفراج عنهما لاحقاً.
وبالنسبة إلى السكان، لا تقتصر آثار هذه العمليات على الأضرار المادية أو نتائج التفتيش، إذ يقولون إن دخول القوات إلى المنازل خلال ساعات الليل يترك أثراً نفسياً كبيراً، خصوصاً على الأطفال والنساء.
اقرأ أيضاً: الإسكان السورية تفتح ملف تعويضات ملاك أراضي قدسيا مجدداً
خوف داخل المنازل
يقول أحد السكان إن سماع أصوات الآليات العسكرية ليلاً أصبح مصدراً للقلق، إذ لا يعرف الأهالي ما إذا كانت الدوريات ستكتفي بالمرور أم ستتوقف أمام أحد المنازل.
ويضيف أن استخدام الكلاب البوليسية وأصوات الجنود والآليات أثناء عمليات التفتيش يزيد من حالة الخوف لدى الأطفال، مشيراً إلى أن بعض العائلات باتت تستيقظ على أي صوت غير مألوف في ساعات الليل.
وتؤكد روايات محلية أن المداهمات لا تقتصر على التفتيش، إذ يتحدث سكان عن بعثرة محتويات المنازل وتضرر بعض الأبواب والممتلكات خلال العمليات، بينما تبقى ملابسات كل حادثة ونتائجها مرتبطة بالمعطيات المتاحة لكل حالة.
سلسلة متكررة
لم تكن الرفيد الحالة الوحيدة خلال أيلول، إذ تتابعت عمليات التوغل والتفتيش في عدد من قرى القنيطرة وريف درعا الغربي.
وشملت الوقائع المبلغ عنها خلال الشهر مداهمات في الأصْبح والرفيد وبريقة وعين العبد والحميدية وصيدا الحانوت وعابدين ووادي الرقاد وكودنة، إلى جانب تحركات عسكرية في مناطق أخرى.
وفي 16 أيلول، أفادت تقارير بتوغل قوات إسرائيلية في عابدين بريف درعا الغربي، بالتزامن مع مداهمات لمنازل في جباتا الخشب بريف القنيطرة، بينما شهدت الرفيد تحليقاً لطائرات استطلاع وحربية في محيط المنطقة.
وفي 26 أيلول، دخلت ثلاث آليات عسكرية إلى الرفيد، حيث فتش عناصرها عدداً من المنازل، فيما تحدثت مصادر محلية عن تعرض رجل مسن للضرب خلال العملية.
السلاح والبلاغات
يقول سكان في القرى المستهدفة إن البحث عن أسلحة أو أشخاص محددين يتكرر باعتباره سبباً للمداهمات، بينما يتحدث بعضهم عن معلومات تقدمها جهات محلية إلى القوات الإسرائيلية، ويشككون في دقة بعضها.
ويقول أحد السكان إن السؤال بالنسبة إلى الأهالي لا يتعلق فقط بما إذا كانت القوات عثرت على شيء خلال التفتيش، بل أيضاً بسبب اختيار منزل معين وطريقة تنفيذ العملية، خصوصاً عندما تتم في منتصف الليل.
وتزداد حساسية هذه العمليات في قرى قريبة من خطوط التماس، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية والعسكرية مع حياة السكان اليومية، في ظل استمرار التحركات الإسرائيلية في المنطقة.
من المداهمات إلى القصف
بالتوازي مع عمليات التوغل، شهد أيلول قصفاً مدفعياً في مناطق من القنيطرة وريف درعا الغربي.
ووثقت مصادر ميدانية عدداً من عمليات القصف منذ بداية الشهر، بينها استهداف محيط الرفيد وأراضٍ زراعية في مناطق أخرى من القنيطرة، فيما تحدثت مصادر رسمية سورية عن سقوط قذائف على أراضٍ زراعية جنوبي الرفيد من دون تسجيل إصابات.
كما امتدت التحركات إلى وادي الرقاد ومناطق في ريف درعا الغربي، في وقت تحدثت فيه مصادر محلية عن أضرار طالت ممتلكات مرتبطة بالزراعة وتربية المواشي.
وفي 24 أيلول، أفادت مصادر محلية بأن قوات إسرائيلية توغلت في مناطق من ريفي درعا والقنيطرة، بالتزامن مع إطلاق النار باتجاه أراضٍ زراعية، بينما استُهدفت مناطق زراعية في القنيطرة بقذائف من مواقع عسكرية إسرائيلية.
الشبان في الواجهة
تترك هذه العمليات أثراً خاصاً على فئة الشبان، وفق روايات سكان المنطقة، إذ يخشى بعضهم من أن يؤدي استمرار عمليات الاحتجاز والمداهمات إلى دفع شبان إلى مغادرة قراهم مؤقتاً بحثاً عن الأمان.
ولا تتوافر إحصاءات مستقلة وشاملة تسمح بقياس حجم هذه المغادرة أو اعتبارها نزوحاً واسعاً، إلا أن شهادات محلية تتحدث عن حالات غادر فيها شبان قراهم بعد وقوع مداهمات، خشية تعرضهم للاحتجاز أو الملاحقة.
ويقول أحد السكان إن الشبان يسعون إلى العمل وتأسيس حياتهم، لكن تكرار مشاهد الاقتحام والاحتجاز يدفع بعضهم إلى التفكير في الابتعاد عن المنطقة، حتى لو كان ذلك لفترة مؤقتة.
ويخشى السكان أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى انعكاسات اقتصادية واجتماعية، خصوصاً في القرى التي تعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة وتربية المواشي.
أثر يتجاوز ساعات المداهمة
لا يبدو أن تأثير العمليات ينتهي بانسحاب الآليات العسكرية. فبحسب سكان محليين، تنتقل أخبار المداهمات بسرعة بين القرى، وتدفع بعض العائلات إلى اتخاذ احتياطات إضافية خلال ساعات الليل، فيما تراقب أخرى حركة الآليات في محيطها.
وتقول شهادات محلية إن حالة الترقب باتت جزءاً من الحياة اليومية في بعض المناطق القريبة من خطوط التماس، مع تزايد المخاوف من تكرار المداهمات أو توسعها إلى قرى جديدة.
وتأتي هذه التطورات في وقت وثقت فيه جهات مختلفة استمرار التوغلات والعمليات البرية الإسرائيلية في جنوب سوريا خلال أيلول، إلى جانب القصف المدفعي والتحركات العسكرية في القنيطرة وريف درعا.