إعادة إعمار سوريا.. مليارات معلقة وحقوق متضررين مهددة

سامر مارديني - دمشق - وكالة أنباء آسيا

2026.09.27 - 12:33
Facebook Share
طباعة

إعمار بلا ضمانات
تدخل سوريا مرحلة إعادة الإعمار وسط تحديات تتجاوز حجم الدمار المادي إلى ملفات شائكة تتعلق بالسكن والأراضي والملكية وحقوق ملايين النازحين والعائدين. وبينما تتجه دمشق إلى جذب مليارات الدولارات من الاستثمارات والتمويل، يبرز غياب إطار قانوني متكامل يضمن مشاركة السكان المتضررين وحماية ممتلكاتهم، بالتزامن مع استمرار الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري وما تسببه من اضطراب أمني وأضرار تطال المدنيين والأراضي والبنية التحتية.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الأضرار المادية المباشرة التي لحقت بسوريا خلال سنوات الحرب بلغت نحو 108 مليارات دولار، فيما تقدر احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.

اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 26-9-2026


حقوق معلّقة
أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن الأطر القانونية الناظمة لإعادة الإعمار في سوريا لا تزال تفتقر إلى ضمانات كافية تتيح للمجتمعات المتضررة المشاركة في القرارات المتعلقة بمنازلها وأراضيها وممتلكاتها.
وتشمل أبرز الثغرات، وفق التقرير، غياب آليات واضحة للتشاور والتعويض والطعن في القرارات، بما قد يترك النازحين والعائدين وأصحاب الملكيات المتنازع عليها أمام صعوبات إضافية في استعادة حقوقهم.
وتزداد حساسية هذا الملف مع عودة ملايين السوريين إلى مناطق تفتقر في بعض الحالات إلى المساكن والخدمات الأساسية، بينما لا تزال ملكيات واسعة غير محسومة بعد سنوات من النزوح وتغير السيطرة على المناطق.

اقرأ أيضاً: اضطراب هرمز يعزز دور سوريا كممر للطاقة إلى العراق


مليارات تنتظر الإعمار
كشفت الحكومة السورية خلال عام 2026 عن خطط للتعافي وإعادة الإعمار، بالتزامن مع تعهدات إقليمية ودولية واستثمارات مرتقبة في قطاعات العقارات والبنية التحتية والطاقة والاتصالات والموانئ.
لكن الفجوة بين حجم الاحتياجات والإمكانات المتاحة لا تزال واسعة. فتكلفة إعادة بناء الأصول المادية وحدها تقدر بمئات المليارات، بينما تحتاج البلاد في الوقت نفسه إلى استعادة الخدمات الأساسية ودعم الاقتصاد وتأمين ظروف تسمح بعودة النازحين بصورة مستقرة.
ويؤكد البنك الدولي أن أضرار الحرب طالت قرابة ثلث رأس المال المادي الذي كانت تمتلكه سوريا قبل الحرب، مع تعرض البنية التحتية والمساكن والمنشآت غير السكنية لخسائر واسعة.


الجنوب تحت الضغط
لا تجري عملية إعادة الإعمار في بيئة أمنية مستقرة بالكامل، خصوصاً في جنوب سوريا، حيث تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية والتوغلات والاعتقالات والقيود المفروضة على حركة السكان.
وأفادت الأمم المتحدة بأن القوات الإسرائيلية واصلت خلال عام 2026 تنفيذ توغلات ودوريات وعمليات تفتيش في مناطق من محافظتي القنيطرة ودرعا، إلى جانب إقامة نقاط تفتيش ومنشآت عسكرية، فيما وثقت تقارير أممية أضراراً طالت أراضي زراعية وقيوداً على وصول المدنيين إلى مناطقهم ومصادر رزقهم.
وتضيف هذه التطورات طبقة جديدة من التعقيدات أمام السكان الذين يحاولون العودة إلى مناطقهم، إذ يصبح استقرار الملكية وإعادة الخدمات وتأمين حرية الحركة عناصر مترابطة مع الوضع الأمني على الأرض.


إرث قانوني ثقيل
يمثل ملف الملكية أحد أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، في ظل نزاعات على الأراضي والمنازل وصعوبة إثبات الملكية بالنسبة إلى عدد من النازحين.
وتبرز في دمشق بشكل خاص آثار المرسوم رقم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، اللذين ارتبطا بمشاريع لإعادة التنظيم العمراني وأثارا على مدى سنوات مخاوف بشأن حقوق السكان والتعويضات وإثبات الملكية.
كما يطرح استمرار العمل على مشاريع عمرانية كبرى في العاصمة أسئلة حول مصير أصحاب الحقوق العقارية، ولا سيما أولئك الذين غادروا مناطقهم خلال سنوات الحرب ولا يملكون الوثائق أو القدرة القانونية الكافية لمتابعة مطالباتهم.


جوبر نموذجاً
تظهر منطقة جوبر في دمشق حجم التعقيد الذي قد تواجهه عملية إعادة البناء. فقد تعرض الحي لدمار واسع خلال سنوات الحرب، فيما يواجه سكانه اليوم أسئلة تتعلق بآلية إعادة البناء، ونسب التعويض، وحقوق المالكين والمستأجرين.
وتكشف هذه الحالة أن إعادة بناء المباني لا تعني بالضرورة حل مشكلة الملكية، إذ يتعين تحديد أصحاب الحقوق أولاً، ثم وضع آليات واضحة وعادلة للتعويض وإعادة الإسكان قبل الانتقال إلى مشاريع التطوير والاستثمار.
الاعتداءات الإسرائيلية وعائق التعافي
وفي الجنوب، لا يقتصر تأثير الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية على الجانب الأمني، بل يمتد إلى قدرة المجتمعات المحلية على استعادة حياتها الطبيعية.
فالأمم المتحدة تحدثت عن استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا، بما في ذلك التوغلات والاعتقالات وإقامة مواقع ونقاط تفتيش، إضافة إلى تأثير هذه الإجراءات على المدنيين ووصولهم إلى الأراضي الزراعية.
وتعني هذه الظروف أن بعض المناطق المتضررة تواجه تحديين متزامنين: إعادة بناء ما دمرته سنوات الحرب، وضمان قدرة السكان على العودة والاستقرار في ظل استمرار التوترات والانتهاكات على الأرض.


مشاركة وتعويض
يدفع ذلك باتجاه ضرورة ربط مشاريع إعادة الإعمار بضمانات قانونية واضحة، تتضمن إشراك السكان في القرارات المتعلقة بأحيائهم وممتلكاتهم، ووضع معايير معلنة للتعويض، وإنشاء آليات مستقلة يمكن من خلالها الاعتراض على القرارات.
كما يبرز ملف النازحين بوصفه جزءاً أساسياً من عملية الإعمار، إذ لا يمكن فصل إعادة بناء المنازل عن حق أصحابها في العودة واستعادة ممتلكاتهم أو الحصول على تعويض عادل عندما يتعذر ذلك.
وتزداد أهمية هذه الضمانات في المناطق التي شهدت دماراً واسعاً أو تغيرات سكانية، وفي المناطق الجنوبية التي ما تزال تتأثر بالتوغلات والعمليات العسكرية الإسرائيلية.


دور المانحين
لا تقتصر المسؤولية على الحكومة السورية، إذ يتعين على الجهات المانحة والمستثمرين والمؤسسات المالية الدولية إدراج حماية حقوق السكن والأراضي والملكية ضمن شروط تمويل المشاريع الكبرى.
كما تبرز الحاجة إلى إجراء تقييمات مسبقة لتأثير مشاريع إعادة الإعمار على السكان، والتأكد من وجود آليات للتظلم والتعويض قبل إطلاق المشاريع التي قد تؤثر في الملكيات الخاصة أو تدفع إلى عمليات نقل أو إعادة تنظيم عمراني.


إعمار يحمي أصحابه
تقف سوريا أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في المنطقة، لكن حجم الأموال والاستثمارات المنتظرة لا يحسم وحده مستقبل هذه العملية. فنجاح التعافي يرتبط أيضاً بكيفية حماية حقوق أصحاب المنازل والأراضي، وضمان عودة النازحين، وإعادة الخدمات الأساسية، ومنع تحول مشاريع الإعمار إلى مصدر جديد للنزاع على الملكية.
وفي الجنوب السوري، تضيف الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية تحدياً أمنياً مستمراً إلى هذه المعادلة، في وقت تحتاج فيه المناطق المتضررة إلى الاستقرار والقدرة على الوصول إلى الأراضي والخدمات وبدء إعادة البناء.
وبين مليارات الدولارات المطلوبة لإعادة الإعمار، وملفات الملكية العالقة، واستمرار الضغوط الأمنية، تبدو المعركة الحقيقية لسوريا في مرحلة ما بعد الحرب مرتبطة ليس فقط بإعادة بناء الحجر، بل بضمان أن يعود هذا البناء إلى أصحاب الحقوق ويحمي مستقبلهم. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 4

اقرأ أيضاً