إنتاج الزيتون السوري يقفز بعد موسم شهد تراجعاً حاداً

2026.09.26 - 15:01
Facebook Share
طباعة

تتجه سوريا إلى موسم زيتون أفضل بكثير من العام الماضي، مع تقديرات أولية بوصول إنتاج ثمار الزيتون إلى نحو 954,730 طنًا، في وقت يبلغ فيه عدد الأشجار المثمرة قرابة 90.7 مليون شجرة، وفق بيانات وزارة الزراعة السورية.


أقرا أيضاً:العدالة الانتقالية توثق شهادات ضحايا مجزرة الجورة والقصور

 

وتخصص التقديرات نحو 20% من المحصول لزيتون المائدة، بينما يذهب 80% إلى العصر، مع توقع إنتاج نحو 190,946 طنًا من زيت الزيتون على أساس نسبة عصر تبلغ 25%. وتغطي زراعة الزيتون نحو 677,725 هكتارًا، تضم قرابة 101.5 مليون شجرة.

الأمطار تدعم الأشجار والثمار

 

يرتبط التحسن المتوقع بصورة أساسية بالظروف المناخية خلال الموسم الحالي، إذ أفادت وزارة الزراعة بأن تحسن معدلات الهطول المطري في معظم المناطق الزراعية رفع رطوبة التربة وحسن التغذية المائية للأشجار، ما ساعد على نمو الثمار وزيادة تراكم الزيت.


أقرا أيضاً:سوريا ودول الجوار.. شراكات جديدة تقودها المصالح المشتركة

 


كما أشارت الوزارة إلى أن تأثير موجات ارتفاع الحرارة خلال الصيف كان محدودًا مقارنة بتوافر المخزون المائي في التربة، فيما تستمر عمليات متابعة الآفات الزراعية، خصوصًا ذبابة ثمار الزيتون، من خلال الفحوص الميدانية والمصائد الفرمونية والغذائية.

 

حلب في الصدارة

 

تتصدر حلب المحافظات السورية من حيث المساحات المزروعة بالزيتون بنحو 190,420 هكتارًا، تليها إدلب بـ118,577 هكتارًا، ثم حمص بـ96,076.7 هكتارًا وطرطوس بـ75,684.6 هكتارًا، إلى جانب مساحات واسعة في حماة واللاذقية وريف دمشق ودرعا والسويداء وغيرها.

وتظهر كذلك أهمية التنوع الزراعي في اختلاف أصناف الزيتون بين المناطق؛ ففي إدلب ينتشر صنف الصوراني، بينما تبرز أصناف الزيتي والقيسي في حلب، والخضيري والدعيبلي في الساحل وغرب حمص، إلى جانب أصناف أخرى في المناطق الجنوبية وتدمر والبادية.

 

وتختلف نسبة الزيت بحسب الصنف، إذ تصل في الزيتي الحلبي إلى نحو 30-32%، وفي الصوراني إلى 25-30%، بينما تتراوح في الخضيري بين 22 و26%، وفي الدعيبلي بين 20 و24%، مع نسب أقل في بعض الأصناف الأخرى.

 

قفزة كبيرة مقارنة بالموسم السابق

 

تبرز أهمية التقديرات الجديدة عند مقارنتها بموسم 2025، الذي هبط فيه إنتاج الزيتون إلى نحو 412 ألف طن، بينما بلغ إنتاج زيت الزيتون قرابة 66 ألف طن. وكانت وزارة الزراعة قد ربطت ذلك الموسم بتراجع الأمطار والظروف المناخية الصعبة، خصوصًا أن نحو 85% من زراعة الزيتون في سوريا بعلية وتعتمد على الأمطار.

وبذلك، فإن التقدير الحالي البالغ نحو 955 ألف طن يعني زيادة تتجاوز 542 ألف طن عن محصول 2025، أي أكثر من الضعف وفق أرقام وزارة الزراعة.

 

ولا تعني هذه الزيادة بالضرورة أن كل الكمية ستتحول إلى إيرادات صافية للمزارعين، إذ يواجه القطاع ارتفاعًا في تكاليف المحروقات والحراثة والخدمات الزراعية والنقل، إلى جانب أجور العمال والقطاف والتحميل.

من الحقول إلى المعاصر

 

يمثل الموسم دورة اقتصادية واسعة تبدأ من المزارع والعمالة الموسمية، وتمتد إلى القطاف والتحميل والنقل ثم المعاصر والتخزين والتعبئة والتسويق.

 

ومن المتوقع أن يؤدي ارتفاع الكميات المخصصة للعصر إلى زيادة نشاط المعاصر وقطاعات النقل والتعبئة، بينما يمكن أن تستفيد الصناعات الغذائية المرتبطة بزيتون المائدة من الكميات المخصصة للاستهلاك المباشر.

وتزداد أهمية قدرة القطاع على استيعاب المحصول في ظل توقعات الإنتاج المرتفعة؛ فوفرة الثمار تحتاج إلى طاقة عصر وتخزين وتسويق مناسبة حتى لا تتحول زيادة الإنتاج إلى ضغط على الأسعار عند المزارعين.

 

موسم أفضل لا يعني تلقائيًا دخلًا أعلى

 

تكمن إحدى أهم النقاط الاقتصادية في الفارق بين حجم الإنتاج والقيمة التي يحصل عليها المنتج. فارتفاع المحصول قد يزيد دخل المزارعين إذا ترافق مع أسعار مناسبة وانخفاض نسبي في كلفة الإنتاج، لكنه قد لا يحقق النتيجة نفسها إذا ارتفعت أجور القطاف والطاقة والنقل أو تراجعت أسعار الزيت نتيجة وفرة المعروض.

لذلك سيكون أداء المعاصر، وكلفة نقل المحصول، والقدرة على التخزين والتسويق عوامل أساسية في تحديد الأثر الفعلي للموسم على دخل المنتجين.

 

الزيتون كرافعة للنشاط الريفي

 

لا يقتصر أثر الموسم على أصحاب البساتين، إذ ترتبط زراعة الزيتون بعشرات آلاف الأسر والعمال والأنشطة الخدمية والصناعات الغذائية. وكانت بيانات وزارة الزراعة قد أشارت في وقت سابق إلى أن قطاع الزيتون يوفر عملًا لنحو 300 ألف أسرة، فيما يمثل المحصول أحد القطاعات الزراعية المهمة في البلاد.

وتعني زيادة الإنتاج هذا العام اتساع النشاط الاقتصادي في مناطق الإنتاج، خصوصًا المحافظات التي تمتلك مساحات واسعة من البساتين، مع ارتفاع الطلب على العمالة والخدمات المرتبطة بالقطاف والنقل والعصر.

 

التصدير واستعادة القيمة المضافة

 

تتطلع وزارة الزراعة أيضًا إلى تحويل زيادة الإنتاج إلى قيمة مضافة من خلال تطوير جودة المنتج والتوسع في الزيتون العضوي وزيت الزيتون العضوي، إلى جانب العمل على عودة سوريا إلى المجلس الدولي للزيتون.

وكان وزير الزراعة باسل السويدان قد بحث في أغسطس/آب الماضي واقع محصول الزيتون وإجراءات العودة إلى المجلس الدولي، مع التأكيد على تطوير القطاع من الإنتاج وصولًا إلى التسويق.

 

كما شاركت الوزارة في يوليو/تموز في اجتماعات المجلس الدولي للزيتون ضمن مسار متابعة إجراءات عودة سوريا إلى عضويته، وهو ما يعكس توجهًا لتعزيز حضور المنتج السوري ضمن منظومة التعاون الدولي الخاصة بالقطاع.

 

الحفاظ على الأصناف السورية

 

يتجاوز الاهتمام الحكومي حجم المحصول إلى مسألة الحفاظ على التنوع المحلي. وتعمل الجهات الزراعية على توثيق الأصناف السورية ودراسة خصائصها، بما يشمل البحث في البصمة الوراثية وحماية التنوع النباتي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية تجارية أيضًا، لأن اختلاف الأصناف يؤدي إلى تفاوت واضح في نسبة الزيت وخصائصه، ما يمكن أن يسمح بتطوير منتجات ذات هوية ومواصفات محددة بدل التعامل مع الزيتون كمحصول موحد.

 

التحدي: تحويل الوفرة إلى عائد اقتصادي

 

رغم القفزة الكبيرة في الإنتاج المتوقع، يبقى التحدي الرئيسي أمام القطاع هو تحويل هذا التحسن الزراعي إلى مكاسب مستدامة للمزارعين والاقتصاد المحلي.

فالزيادة في المحصول يمكن أن تنشط العمالة والنقل والمعاصر والتعبئة والتجارة، كما قد تقلل الحاجة إلى بعض الواردات وتوفر فرصًا أكبر للتصدير. لكن ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والنقل، إلى جانب القدرة المحدودة لبعض المنتجين على التخزين والتسويق، قد تحد من حجم العائد النهائي.

 

ويأتي الموسم الحالي بعد عام شهد تراجعًا حادًا بسبب الظروف المناخية، ما يجعل تحسن الأمطار والإنتاج فرصة لاستعادة جزء من النشاط الذي فقده القطاع. وفي الوقت نفسه، تحتاج الاستفادة الكاملة من هذه الوفرة إلى تحسين البنية التحتية للمعاصر والتخزين والتعبئة، ورفع الجودة، وتوسيع قنوات التسويق.

وبذلك، لا يمثل موسم الزيتون السوري الحالي مجرد ارتفاع في عدد الأطنان، بل فرصة لتحريك سلسلة اقتصادية تبدأ من 90.7 مليون شجرة مثمرة وتمتد إلى المزارعين والعمال والمعاصر والأسواق، فيما يبقى حجم المكاسب الفعلية مرتبطًا بقدرة القطاع على استيعاب المحصول وتحويله إلى زيت ومنتجات ذات قيمة مضافة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 5