عاد إقليم تيغراي شمال إثيوبيا إلى واجهة التوترات العسكرية، مع تصاعد الاشتباكات بين قوات الدفاع الوطني التابعة للحكومة الفيدرالية وقوات جبهة تحرير شعب تيغراي، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة مجددًا إلى حرب واسعة كتلك التي شهدتها البلاد بين عامي 2020 و2022.
أقرا أيضاً:شرطة نيويورك تعتقل 104 متظاهرين ضد نتنياهو
وسيطرت قوات تيغراي، الأربعاء، على المطار الرئيسي في عاصمة الإقليم ميكيلي ومطارين آخرين، ما دفع الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تعليق رحلاتها من الإقليم وإليه. كما امتدت المواجهات إلى إقليم عفر المجاور، حيث اندلعت اشتباكات مع القوات الفيدرالية، في تطور أعاد المخاوف الأمنية والاقتصادية إلى الواجهة.
وقال جيتاتشو رضا، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، في منشور على منصة «إكس»، إن جبهة تيغراي سيطرت على مطارات كانت تحت إدارة الحكومة الفيدرالية، معتبرًا أن الخطوة تعكس، بحسب وصفه، «مستويات جديدة من عدم المسؤولية» لدى القيادة السياسية والعسكرية للجبهة.
تحالفات جديدة تعيد شبح الحرب
تزامن التصعيد العسكري مع إعلان جبهة تحرير شعب تيغراي و6 جماعات مسلحة أخرى تشكيل تحالف جديد يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد، ما يضيف بعدًا سياسيًا إلى المواجهة الميدانية.
ترجع جذور الحرب السابقة إلى انهيار العلاقات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، التي هيمنت على السياسة الإثيوبية لنحو 3 عقود، قبل وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء عام 2018. وانتهى القتال باتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022، إلا أن الاتفاق لم ينهِ الخلافات بين الطرفين، إذ استمرت الاتهامات المتبادلة بشأن الالتزام ببنوده.
وفي مايو، استعادت جبهة تحرير شعب تيغراي السيطرة على حكومة الإقليم من الإدارة المؤقتة التي تشكلت بموجب اتفاق السلام. وقالت المتحدثة باسم آبي أحمد، بيلين سيوم، لوكالة رويترز إن أعضاء التحالف الجديد كانوا يتعاونون منذ فترة، واتهمتهم بتلقي دعم مالي من إريتريا، وهو ما نفته أسمرة.
اقتصاد الإقليم تحت ضغط الحرب
لم تتوقف تداعيات الصراع عند الجانب الأمني، إذ لا يزال اقتصاد تيغراي يعاني آثار الحرب السابقة. وعلى الرغم من إعادة فتح البنوك تدريجيًا بعد اتفاق السلام، يواجه النشاط التجاري نقصًا حادًا في السيولة وصعوبة في الحصول على القروض اللازمة لإعادة تشغيل المصانع التي توقفت خلال الحرب.
يعتمد الإقليم بدرجة كبيرة على التحويلات المالية والدعم الحكومي القادم من أديس أبابا لتمويل الرواتب والخدمات ومشروعات التنمية، ولا يتمتع باستقلال نقدي، إذ يستخدم البير الإثيوبي ويخضع نظامه المالي للمصرف المركزي.
أدت التوترات مع الحكومة المركزية إلى تأخر المخصصات المالية، ما وضع الإدارة المحلية أمام أزمة سيولة متكررة وأثر في قدرتها على دفع الرواتب بصورة منتظمة كما بقيت قطاعات واسعة من السكان معتمدة على المساعدات الإنسانية، في ظل تعطل مواسم زراعية سابقة واتساع
نطاق النزوح.
تراجع المساعدات يفاقم الأزمة الإنسانية
تراجعت المساعدات الغذائية المقدمة إلى تيغراي بأكثر من 50% بين يناير ونوفمبر 2025، وانخفض عدد المستفيدين من 1.66 مليون شخص إلى 726 ألفًا. ويرتبط هذا التراجع، وفق المعطيات الواردة في التقرير، بتعليق عمليات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية «USAID» وتقلص المشاركة الإنسانية الدولية.
ولا تزال المنطقة تضم نحو 900 ألف نازح داخلي، غالبيتهم يعيشون في النزوح منذ أكثر من 3 سنوات. كما أشارت تقارير إنسانية إلى أن الجوع أصبح سببًا رئيسيًا للوفاة بين مختلف الفئات العمرية، فيما توفي أكثر من 300 نازح في مخيم هيتسات بين نوفمبر 2022 وأغسطس 2023.
على الصعيد الصحي، تضررت أكثر من 90% من المرافق الصحية في الإقليم، بينما توقف نحو ثلثيها عن العمل. وفي 5 مارس 2026، حذّر مكتب الصحة في تيغراي من خطر انهيار النظام الصحي، بالتزامن مع استمرار القيود المفروضة على الوقود وتأثيرها في الخدمات الأساسية والعمليات الإنسانية.
آثار الحرب تمتد إلى الغذاء والبنية التحتية
أظهرت تقارير تناولت الوضع الإنساني في تيغراي أن الحرب السابقة خلّفت أضرارًا واسعة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، شملت المصانع والمزارع وشبكات الري ومخزونات الغذاء وحقول المحاصيل والبساتين ومرافق التخزين والشركات.
كما أشارت معطيات واردة في التقرير إلى خسارة نحو 543 كيلومترًا مربعًا من الأراضي الصالحة للزراعة، فيما ارتبطت الحرب، خلال شهرها السابع، بزيادة قدرها 37 نقطة مئوية في احتمالية انعدام الأمن الغذائي المعتدل إلى الشديد.
وبحسب تقرير للباحث مارتن بلاوت، عانى النازحون وسكان مناطق واسعة من تيغراي من المجاعة، في ظل ما وصفه بحصار متعدد المستويات شمل قيودًا على حركة الأشخاص والبضائع والمساعدات، إلى جانب اضطرابات في الاتصالات والخدمات المصرفية.
هذه التداعيات جعلت التعافي الاقتصادي أكثر صعوبة، إذ لم تقتصر خسائر الحرب على تدمير المنشآت، بل امتدت إلى مصادر الدخل والإنتاج الزراعي وقدرة السكان على الوصول إلى الخدمات والأسواق.
نمو اقتصادي لا ينعكس بالكامل على المعيشة
خارج تيغراي، تواجه إثيوبيا مفارقة اقتصادية أخرى؛ فالمؤشرات الكلية تظهر معدلات نمو مرتفعة، بينما يعاني السكان من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وتوقع صندوق النقد الدولي أن تسجل إثيوبيا نموًا بنسبة 9.2% في 2026، لتكون من أسرع اقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء نموًا، مقارنة بـ7.5% لأوغندا و7.2% لرواندا و7% لبنين، وفق أحدث التوقعات الواردة في التقرير.
أقرا أيضاً:الدوحة ترد على نتنياهو وتنتقد ممارسات إسرائيل في فلسطين
لكن النمو يأتي في ظل ضغوط تضخمية مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود والأسمدة وتكاليف الاستيراد. كما أن الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة منذ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي عام 2024 انعكست بصورة مباشرة على سعر صرف العملة وأسعار السلع.
فقد وافق الصندوق في 2024 على تسهيل ائتماني ممتد لإثيوبيا لمدة 4 سنوات بقيمة 3.4 مليارات دولار، ضمن برنامج يشمل إصلاحات في سعر الصرف وتعبئة الإيرادات وإعادة هيكلة الديون في إطار مجموعة العشرين. وبعد تعويم العملة، ارتفع سعر صرف البير إلى نحو 162 بيرًا للدولار، مقارنة بنحو 57 بيرًا قبل الإصلاحات النقدية.
التضخم وتراجع القدرة الشرائية
بلغ التضخم في إثيوبيا نحو 15.1%، بعدما كان قد تجاوز 30% في ذرواته السابقة، بينما تراوحت زيادة أسعار الغذاء بين 14.9% و15.3%، مدفوعة بارتفاع تكاليف المواد المستوردة.
وفي الوقت نفسه، تراجع عجز الموازنة إلى نحو 0.9% من الناتج المحلي، مقارنة بـ2.1% قبل الإصلاحات، لكن تحسن المؤشرات المالية لم ينعكس بالقدر نفسه على حياة الأسر.
أدى انخفاض قيمة العملة إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، في وقت بقيت فيه الأجور في القطاعين العام والخاص مجمدة، ما ضغط على القدرة الشرائية، خصوصًا بالنسبة للسلع التي تعتمد على الاستيراد، مثل الوقود وقطع الغيار والأسمدة والأدوية.
كما رفعت الحكومة تدريجيًا الدعم عن المحروقات، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف النقل إلى أكثر من 3 أضعاف خلال العام الحالي، بالتزامن مع زيادات في تعرفة الكهرباء والمياه ورفع ضريبة القيمة المضافة إلى 15% بهدف دعم إيرادات الدولة.
وتشير تقديرات البنك الدولي الواردة في التقرير إلى أن نسبة الفقر تجاوزت 40% من السكان، ما يعكس اتساع الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والظروف المعيشية اليومية.
خطر اقتصادي يتجاوز حدود تيغراي
تجدد المواجهات في تيغراي يضع الاقتصاد الإثيوبي أمام اختبار جديد، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب السابقة حاضرة في البنية التحتية والإنتاج الزراعي والخدمات العامة.
فالعودة إلى القتال لا تعني فقط احتمال ارتفاع الاحتياجات الإنسانية في الإقليم، وإنما قد تزيد الضغوط على الموازنة والأسواق وسعر الصرف والاستثمار، خصوصًا مع استمرار الإصلاحات الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة.
وبينما تسعى الحكومة إلى الحفاظ على مسار النمو والإصلاح المالي، تواجه مناطق واسعة من البلاد أزمات مرتبطة بالغذاء والطاقة والدخل والخدمات. لذلك، فإن أي تصعيد عسكري جديد في تيغراي سيجد اقتصادًا يحاول التعافي من آثار الحرب السابقة، فيما لا تزال شرائح واسعة من السكان تعاني من تداعياتها المعيشية.