فتح الرئيس السوري أحمد الشرع خلال حوار في نيويورك ملفات عدة تتصل بالمرحلة الانتقالية، بدءًا من المفاوضات مع إسرائيل وقضية الجولان، مرورًا بأحداث 7 أكتوبر والوجود العسكري الأجنبي، وصولًا إلى العلاقات مع الأكراد ولبنان والعراق، إضافة إلى احتمال خوضه الانتخابات الرئاسية وماضيه مع تنظيم القاعدة.
أقرا أيضاً:انفجارات مستودعات السلاح في سوريا تفتح فرضية الضلوع الإسرائيلي
جاءت تصريحاته فجر الأربعاء خلال جلسة حوارية أدارها المسؤول الأمريكي السابق بريت ماكغورك، ونظمها مشروع سوريا التابع للمجلس الأطلسي في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
مفاوضات مع إسرائيل
كشف الشرع أن المحادثات السورية الإسرائيلية تقترب في كل مرة من التوصل إلى اتفاق، قبل أن تتراجع تل أبيب في مراحلها الأخيرة لأسباب مختلفة، لافتًا إلى عقد عدة جلسات تفاوض خلال الفترة الماضية.
اختارت دمشق، وفق روايته، معالجة الاعتداءات الإسرائيلية عبر الحوار والمسار الدبلوماسي، والاستعانة بدول صديقة لإسرائيل، بينها الولايات المتحدة.
ويرى الرئيس السوري أن حماية أمن السوريين وحقوقهم تسبق أي حديث عن سلام دائم، محددًا انسحاب إسرائيل من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق في 8 ديسمبر 2024 كأولوية أساسية.
وأوضح أن العودة إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها إسرائيل عام 1974 ينبغي أن تسبق بحث الترتيبات الأمنية، قبل الانتقال لاحقًا إلى مناقشة اتفاق سلام دائم.
وفي شأن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل قبل حسم قضية الجولان، أفاد بأن الاتصالات المباشرة قائمة بالفعل منذ نحو عام، مؤكدًا أن الجولان «أرض سورية» وفق ما وصفه بالاعتراف الأممي، وأن تبعيته ليست موضع نقاش.
المخاوف الأمنية وأحداث 7 أكتوبر
تطرق الشرع إلى الهواجس الأمنية الإسرائيلية، مبينًا أن دمشق تبحثها باستمرار، مع طرح إمكانية تشكيل لجنة دولية تدرس هذه المخاوف وتفرق بين الوقائع الأمنية والتصورات المرتبطة بها.
وبشأن اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بسيادة إسرائيل على الجولان، وصف علاقته بالرئيس الأمريكي بالمميزة، مستذكرًا قرار رفع العقوبات عن سوريا، قبل أن يروي مزحة قال إنه وجهها لترمب خلال زيارته البيت الأبيض بشأن منح نيوجيرسي لإسرائيل.
أما أحداث 7 أكتوبر 2023، فأبدى تفهمه لما تعرض له بعض المدنيين، لكنه رفض أن تتحول تلك الوقائع إلى أساس للسياسة الإسرائيلية تجاه سوريا.
واستشهد بالوضع في غزة، متحدثًا عن مقتل أكثر من 70 ألف شخص، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال، بحسب تقديره.
وخلص إلى أن حماية الأمن الإسرائيلي لا يمكن أن تتحقق عبر تجاهل أمن الآخرين، داعيًا إلى تغيير السياسات التي تزيد التوتر، وتعزيز الاستقرار والاحترام المتبادل والعلاقات الاقتصادية والتجارية.
القواعد الأجنبية والوجود الروسي
أكد الشرع توجه بلاده نحو عدم السماح بوجود قواعد عسكرية أجنبية على أراضيها، معتبرًا أن السيادة الكاملة للدولة تمثل هدفًا أساسيًا.
في الملف الروسي، ذكر أن السلطات الجديدة ورثت وجود موسكو العسكري، ثم دخلت في حوار معها، مشيرًا إلى تراجع عدد القواعد الروسية، وفق قوله، من نحو 170 إلى اثنتين.
وبعد مفاوضات مطولة، جرى تحويل القاعدتين إلى منشأتين لتدريب الجيش السوري، بحسب ما عرضه الشرع خلال الحوار.
أما أي وجود عسكري أجنبي مستقبلي، فأشار إلى ضرورة إخضاعه لإطار قانوني يوافق عليه مجلس الشعب ويحفظ حقوق الدولة السورية.
ووصف انسحاب القوات الأمريكية من البلاد بأنه تم بأمان وتفاهم ومن دون حرب، لافتًا إلى انتقال السيطرة على المناطق التي غادرتها إلى الدولة السورية وقواتها.
الأكراد و«قسد»
في شمال شرقي البلاد، أفاد الشرع بأن الدولة تسيطر على معظم الأراضي السورية، بما فيها مناطق كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية «قسد».
وذكر أن «قسد» جرى تفكيكها وتعمل حاليًا تحت مظلة الدولة، مع ضرورة التمييز بين دمج تشكيل مسلح وبين التعامل مع المجتمع الكردي.
سبق عملية الدمج، بحسب حديثه، إصدار مرسوم يعترف بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، باعتبارها حقوقًا لأفراد هذا المكون المقيمين في سوريا.
المرحلة الانتقالية والدستور
انتقل الحوار إلى المسار السياسي، حيث كشف الشرع أن مجلس الشعب سيشكل لجنة لمراجعة القوانين، وأخرى لبدء صياغة الدستور، متوقعًا إنجاز العملية قبل نهاية السنوات الخمس المقررة للمرحلة الانتقالية.
استند التسلسل الذي عرضه إلى تثبيت الأمن، ثم عقد مؤتمر وطني جامع، وإصدار الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة، وصولًا إلى انتخابات مجلس الشعب.
أقرا أيضاً:خطة ألمانية لمراجعة حماية السوريين وتمهيد طريق الترحيل
ووصف الانتخابات بأنها لم تكن مثالية، لكنها كانت مناسبة للمرحلة، موضحًا أن المجلس بدأ جلساته ويستدعي الوزراء لمساءلتهم حول القضايا المطروحة.
يحدد الإعلان الدستوري الذي وقعه الشرع في 13 مارس 2025 مدة المرحلة الانتقالية بـ5 سنوات تبدأ من تاريخ نفاذه.
الترشح للرئاسة
وعن احتمال خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، قال الشرع إنه لم يفكر في الأمر بعد، وإن تركيزه الحالي ينصب على خدمة السوريين وتطوير البلاد اقتصاديًا وسياسيًا.
ترك في المقابل إمكانية الترشح مفتوحة إذا رأى أن المرحلة تحتاج إلى استمراره في المسؤولية، موضحًا أن العودة إلى حياته العادية ستكون أفضل له شخصيًا بسبب مشقة المهمة، لكنه لن يتجنب المسؤولية إذا اعتقد أن وجوده ضروري.
لبنان والعراق
في الشأن اللبناني، أكد الشرع دعم مؤسسات الدولة وحصر السلاح بيدها، رافضًا وجود أي سلاح خارج سلطة القانون.
وتناول رغبة دمشق في تحسين العلاقات الاقتصادية والاجتماعية مع بيروت، ومعالجة المشكلات التي نسبها إلى النظام السوري السابق، بالتوازي مع التواصل بشأن الإصلاح السياسي والتنفيذ السليم لاتفاق الطائف.
وبخصوص احتمال تدخل القوات السورية في لبنان، أوضح أن بلاده منشغلة بتحدياتها الداخلية، وأن عدم الاستقرار اللبناني ينعكس بصورة مباشرة على سوريا.
أما العراق، فاعتبر أن الحرب الأمريكية خلفت إرثًا ثقيلًا وأسهمت في اتساع النفوذ الإيراني، متناولًا مساعي الحكومة العراقية لضبط السلاح خارج مؤسسات الدولة.
وتسعى دمشق، بحسب حديثه، إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع بغداد وتأمين ممر آمن للمنتجات العراقية، خصوصًا النفطية، مع طرح مشروع لربط حقول النفط العراقية بالموانئ السورية بوصفه مسارًا بديلًا عن باب المندب وقناة السويس.
ولفت إلى أن خط الأنابيب كان قائمًا منذ خمسينيات القرن الماضي قبل توقفه بسبب الخلافات السياسية، مضيفًا أن الجانبين يعملان على معالجة مشكلات العقود السابقة.
بناء الجيش والأجهزة الأمنية
في الجانب العسكري، أوضح الشرع أن إعادة بناء المؤسسة العسكرية بدأت بحل الفصائل وتوحيد السلاح ضمن جيش واحد، ثم وضع معايير للقبول وإنشاء معسكرات تدريب.
وأرجع استيعاب أعداد كبيرة من الراغبين في الخدمة خلال المرحلة الأولى إلى الحاجة لمنع انهيار البلاد وملء الفراغ الذي أعقب سقوط النظام، ما حال دون تطبيق معايير قبول مرتفعة منذ البداية.
وتزامن ذلك، وفق حديثه، مع تطوير منظومة التدريب والتدقيق، فيما أقر بوقوع حوادث خلال المرحلة الانتقالية، بينها وقائع داخل الجيش والأجهزة الأمنية.
وأشار إلى تعاون دول أخرى في تدريب القوات السورية ورفع مستوى احترافيتها.
11 سبتمبر وعلاقته بالقاعدة
في ما يتعلق بماضيه وعلاقته السابقة بتنظيم القاعدة، نفى الشرع أي ارتباط له بهجمات 11 سبتمبر 2001، موضحًا أنه كان في الثالثة عشرة من عمره حين وقعت.
وأبدى أسفه للضحايا الذين سقطوا في الولايات المتحدة، وكذلك لمن قضوا في الشرق الأوسط نتيجة السياسات التي اتُبعت في المنطقة.
وعندما أعيد طرح مسألة بيعته السابقة، ذكر أن ظروف المنطقة دفعت عددًا من الشباب آنذاك إلى تبني توجهات معينة، قبل أن تتغير رؤيته مع تطور الأحداث، ولا سيما الثورة السورية.
وربط الدافع الأساسي، وفق روايته، بمواجهة ما وصفه بالظلم والقتل والاعتقال والتعذيب واستخدام الأسلحة الكيميائية خلال عهد النظام السابق.
ملف أوستن تايس
في قضية الصحفي الأمريكي المفقود أوستن تايس، تحدث الشرع عن لقائه والدته، التي كانت تعتقد أن ابنها قُتل بعد فقدان أخباره لسنوات.
وقدّر عدد المفقودين في سوريا بنحو 150 ألف شخص، مشيرًا إلى أن الهيئة الوطنية المعنية بالملف تسعى إلى الاستفادة من خبرات دولية في الطب الشرعي والتحقيق الجنائي.
وأفاد بأن بعض المعلومات الخاصة بتايس لا يمكن كشفها لارتباطها بملفات أمنية واستخباراتية، مؤكدًا في المقابل أن الحكومة ستطلع عائلته على أي معلومات تصل إليها بشأن مصيره.