وصل وفد حكومي سوري موسّع إلى بيروت، يضم 6 وزراء، إلى جانب رئيس هيئة الطيران المدني، والرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، ورئيس هيئة الاستثمار السورية، لبحث ملفات اقتصادية وخدمية وأمنية عالقة بين البلدين.
أقرا أيضاً:الضرائب في لبنان.. إحالة أكثر من 100 مؤسسة للقضاء
تشمل مهمة الوفد مراجعة أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم سابقة، وتنظيم التجارة والنقل والترانزيت، وبحث ملفات الطاقة والاستثمار، إلى جانب تعزيز التنسيق بشأن ضبط الحدود ومكافحة التهريب، ومناقشة عدد من القضايا الأمنية، بينها ملف ضباط النظام السوري السابق الموجودين في لبنان.
تأتي الزيارة في توقيت مفصلي للعلاقات بين بيروت ودمشق، إذ تتجاوز الملفات المطروحة الطابع البروتوكولي، لتلامس مجالات الاقتصاد والطاقة والاستثمار والنقل والأمن والحدود.
أقرا أيضاً:التربية توضح حقيقة إغلاق مدرسة الفارابي وروضة ضهر المغر
كشف المستشار الاقتصادي السوري الدكتور أسامة قاضي، في حديث لوسائل إعلام محلية، إن الزيارة تُعد من أبرز الزيارات الرسمية بين البلدين منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وتندرج ضمن سلسلة من الزيارات المتبادلة بين المسؤولين اللبنانيين والسوريين.
مراجعة الاتفاقيات وتنشيط التجارة
تتجه المباحثات إلى مراجعة أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم أُبرمت خلال مراحل سابقة، مع احتمال تشكيل لجان مشتركة من الوزارات المعنية لدراسة مضمونها وتحديد ما يمكن الإبقاء عليه أو تعديله أو إلغاؤه.
يرى قاضي أن حجم التبادل التجاري بين لبنان وسوريا لا يزال متواضعاً مقارنة بحجم الحدود والعلاقات الاقتصادية بين البلدين، ما يفتح المجال أمام إجراءات تستهدف تنشيط التجارة ورفع مستوى التبادل خلال المرحلة المقبلة.
يحظى النقل والترانزيت بموقع أساسي ضمن جدول الأعمال، خصوصاً ما يتعلق بعبور الشاحنات اللبنانية إلى الأردن عبر الأراضي السورية، وكذلك حركة الشاحنات السورية باتجاه لبنان.
وتشمل المناقشات تنظيم النقل البري، وبحث إمكان خفض رسوم العبور، إلى جانب تبسيط الإجراءات بما يسهم في تسهيل حركة الشاحنات والبضائع بين لبنان وسوريا والأردن.
الطاقة والاستثمارات
يكتسب حضور الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول أهمية خاصة، في ظل الملفات المرتبطة بالطاقة، ومن بينها احتمال بحث وصول الغاز العربي إلى لبنان، واستخدام المرافق والمنشآت اللبنانية عند الحاجة.
كما تطرح الزيارة فرصاً لبحث التعاون في مجال المشتقات النفطية ومشاريع الربط الكهربائي، بما قد يفتح المجال أمام ترتيبات جديدة في قطاع الطاقة بين البلدين.
وتمنح مشاركة رئيس هيئة الاستثمار السورية المباحثات بعداً اقتصادياً إضافياً، إذ تتيح بحث فرص الاستثمار اللبناني في سوريا والتأكيد على الترحيب بالمستثمرين اللبنانيين.
وقد تشهد المرحلة المقبلة توقيع مذكرات تفاهم في قطاعات محددة، غير أن الحديث عن اتفاقيات نهائية لا يزال مبكراً، وفق قاضي.
ضبط الحدود ومكافحة التهريب
يتقدم ملف الحدود اللبنانية السورية قائمة القضايا الأمنية المطروحة، بعدما شكل ضبطها ومكافحة التهريب محوراً متكرراً في اللقاءات السابقة بين الجانبين.
تمتد الحدود بين البلدين لنحو 375 كيلومتراً، وتتميز بتضاريس معقدة ووجود مسارات ومعابر غير شرعية، الأمر الذي يزيد الحاجة إلى تعزيز التنسيق بين الأجهزة المختصة.
ويرتبط هذا الملف بمواجهة تهريب الأسلحة والمخدرات وإغلاق المعابر غير القانونية، إلى جانب تطوير آليات التعاون الأمني بين الطرفين.
النزوح السوري والعودة
يحضر ملف السوريين الموجودين في لبنان ضمن القضايا التي تتطلب تنسيقاً بين بيروت ودمشق، في ظل تراجع أعدادهم بصورة كبيرة خلال الفترة الماضية.
ويرى قاضي أن تحسن الظروف داخل سوريا قد يشجع مزيداً من السوريين على العودة، خصوصاً من يمتلكون مساكن أو مصادر دخل في بلدهم.
كما يعتبر أن الظروف الاقتصادية في لبنان لم تعد جاذبة كما كانت في مراحل سابقة، ما قد يدفع مزيداً من السوريين إلى العودة بصورة طبيعية عند توافر الظروف المناسبة.
ملف ضباط النظام السابق
يبرز ملف ضباط النظام السوري السابق الموجودين في لبنان باعتباره من أكثر القضايا حساسية ضمن الجانب الأمني من المباحثات.
وتحدث قاضي عن وجود أكثر من 200 ضابط كبير من ضباط النظام السابق في لبنان، معتبراً أن استمرار وجودهم قد يثير مخاوف لدى الجانبين، ولا سيما مع احتمال استخدام الأراضي اللبنانية لتنفيذ أنشطة أو تحركات يمكن أن تؤثر في العلاقات بين البلدين.
ويضع هذا الملف بيروت ودمشق أمام الحاجة إلى تعزيز التعاون الأمني، بما يضمن عدم تحول الأراضي اللبنانية إلى مصدر توتر في العلاقة الثنائية.
نحو تنظيم جديد للعلاقات
تفتح الزيارة، بحسب قاضي، المجال أمام الانتقال بالعلاقات اللبنانية السورية إلى مرحلة أكثر عملية، من خلال معالجة الملفات العالقة ووضع أطر واضحة للتعاون بين المؤسسات الرسمية في البلدين.
يتوزع هذا المسار بين تنشيط التجارة، وتنظيم النقل والترانزيت، والتعاون في الطاقة والاستثمار، وتعزيز ضبط الحدود، إلى جانب معالجة القضايا الأمنية المشتركة.
ويرتبط نجاح هذه الخطوات باحترام سيادة البلدين وتنسيق العمل بين مؤسساتهما، فضلاً عن منع استخدام أراضي أي منهما في أنشطة من شأنها الإضرار بالعلاقات الثنائية.
وتحمل الزيارة، في هذا السياق، ملفات متعددة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والخدمية، ما يجعل نتائج المباحثات عاملاً مهماً في تحديد شكل العلاقة بين بيروت ودمشق خلال المرحلة المقبلة.