أعاد عقد مجلس الشعب السوري جلسة استماع لوزير الطاقة محمد البشير، لمناقشة قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، طرح تساؤلات حول طبيعة الصلاحيات التي يملكها المجلس تجاه الوزراء، وما إذا كانت هذه الجلسات تمثل شكلا من أشكال المساءلة السياسية أم تندرج ضمن أداة رقابية مختلفة حددها الإعلان الدستوري.
وبحسب أكاديميين وخبراء قانونيين، فإن النص الدستوري السوري المستخدم حاليا يحدد صلاحية المجلس في هذا المجال بعقد "جلسات استماع للوزراء"، وهي تسمية تختلف من الناحية القانونية عن مفهوم المساءلة البرلمانية بمعناها الكامل.
وتبرز أهمية التمييز بين المصطلحين في طبيعة النتائج التي يمكن أن تترتب على الجلسة، ولا سيما أن مجلس الشعب لا يمتلك، وفقا للإعلان الدستوري الحالي، صلاحية حجب الثقة عن الحكومة أو الوزراء أو عزلهم.
اقرأ أيضاً: تفجيرات وقصف إسرائيلي.. التصعيد يتواصل في الجنوب السوري
ماذا تعني جلسة الاستماع؟
يوضح المحامي والخبير القانوني المعتصم الكيلاني أن مجلس الشعب يمارس دوره الرقابي على السلطة التنفيذية ضمن الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري للمرحلة الحالية.
ويشير الكيلاني إلى أن المادة 30 من الإعلان الدستوري نصت بصورة صريحة على اختصاص المجلس بعقد جلسات استماع للوزراء، موضحا أن التسمية الدقيقة لهذه الإجراءات هي "جلسات استماع" وليس "مساءلة" بالمعنى البرلماني الكامل.
ويكمن الفارق الأساسي، وفق الكيلاني، في النتائج السياسية والقانونية الممكنة. فالمساءلة السياسية في مفهومها الدستوري ترتبط عادة بإمكانية ترتيب جزاء سياسي، مثل طرح الثقة بالوزير أو الحكومة، أو حجبها، أو اتخاذ إجراءات تؤدي إلى الإقالة.
أما الصلاحيات الممنوحة لمجلس الشعب حاليا، فتسمح له بالاستماع إلى الوزراء ومناقشة أدائهم وطلب الإيضاحات بشأن القرارات والسياسات الحكومية، إضافة إلى تحديد أوجه الخلل في العمل التنفيذي، لكنها لا تمنحه حق حجب الثقة عن الحكومة أو الوزراء أو عزلهم.
كما أن الحكومة، بحسب التفسير نفسه، لا تحتاج إلى نيل ثقة مجلس الشعب كي تستمر في ممارسة مهامها.
اقرأ أيضاً: فجوة الصرف تتسع في سوريا.. العجز التجاري والطاقة في الواجهة
ماذا يقول الإعلان الدستوري؟
يستند هذا الاختصاص إلى المادة 30 من الإعلان الدستوري الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع في 13 مارس/آذار 2025، والتي حددت مجموعة من مهام مجلس الشعب، ونصت الفقرة "خ" منها على "عقد جلسات استماع للوزراء".
وبذلك، فإن جلسة الاستماع ليست مجرد إجراء شكلي، وإنما أداة رقابية منصوص عليها دستوريا، لكنها تختلف في نطاقها عن الأدوات البرلمانية التي تسمح للنواب بترتيب نتائج سياسية مباشرة على أداء الحكومة أو الوزراء.
ويؤكد أستاذ القانون في جامعة دمشق الدكتور إبراهيم دراجي أن الإعلان الدستوري اعتبر جلسة الاستماع "الأداة الرقابية الصريحة تجاه الوزراء".
وأوضح دراجي، في دراسة بعنوان "مجلس الشعب السوري في المرحلة الانتقالية.. دراسة في البناء الدستوري والممارسة البرلمانية"، أن النظام الداخلي للمجلس يعرف جلسة الاستماع بأنها وسيلة لسماع إيضاحات مسؤول أو رئيس هيئة حول سياسة أو إجراء أو تصرف أو واقعة.
كما يتيح النظام الداخلي طلب عقد الجلسة من لجنة مختصة أو من 21 عضوا، قبل أن يحدد إجراءات الإخطار والعرض وطرح الأسئلة، وما يمكن أن ينتهي إليه المجلس بعد الاستماع والمناقشة.
لماذا جاءت جلسة وزير الطاقة؟
جاءت جلسة الاستماع الأخيرة لوزير الطاقة محمد البشير في أعقاب احتجاجات شهدتها مناطق سورية عدة بعد قرار رفع أسعار المشتقات النفطية.
وكان مجلس الشعب قد قرر عقد الجلسة بناء على طلب لجنة الطاقة، بهدف مناقشة نشرة الأسعار الصادرة في 13 سبتمبر/أيلول، والاستماع إلى إيضاحات الوزارة حول أسباب الزيادة والاعتبارات التي رافقت اتخاذ القرار.
وخلال الجلسة، دافع البشير عن قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، في وقت تراوحت فيه نسب الزيادة بين 25% و40%.
وكانت وزارة الطاقة قد عزت القرار إلى ارتفاع كلفة تأمين المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، إلى جانب إجراء أعمال عمرة لمصفاة بانياس، باعتبارهما من العوامل التي أثرت في كلفة تأمين المنتجات النفطية.
وبالتالي، شكلت الجلسة مساحة لمناقشة القرار الحكومي أمام النواب، وطلب تفسير أسبابه وآثاره، لكنها لم تكن، من الناحية الدستورية، جلسة تصويت على الثقة بالوزير أو الحكومة.
نقاش سبق اعتماد النظام الداخلي
ولم يكن اختصاص مجلس الشعب بعقد جلسات استماع للوزراء بندا مر على إقرار النظام الداخلي من دون نقاش.
فقد حظيت هذه الصلاحية بحيز واسع من النقاش خلال جلسة إقرار النظام الداخلي للمجلس في يوليو/تموز الماضي، قبل اعتمادها بصيغتها النهائية بما يتوافق مع النص الوارد في الإعلان الدستوري.
وأقر مجلس الشعب السوري نظامه الداخلي بصيغته النهائية في 30 يوليو/تموز، بعد نقاشات استمرت خمسة أيام تحت قبة البرلمان، وذلك خلال الجلسة الثانية من الدورة الاستثنائية للدور التشريعي الأول.
وبذلك، تبدو جلسات الاستماع إلى الوزراء في الصيغة الدستورية الحالية أداة لممارسة الرقابة البرلمانية من خلال طلب التوضيحات ومناقشة السياسات والقرارات الحكومية، من دون أن تمتد تلقائيا إلى صلاحيات حجب الثقة أو الإقالة. ويبقى الفارق بين المصطلحين مرتبطا بالنتيجة القانونية التي يستطيع المجلس ترتيبها، لا بمجرد استدعاء الوزير إلى قاعة المجلس ومناقشة أدائه.