تتجه أنظار العالم إلى نيويورك مع انطلاق اجتماعات الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في واحدة من أكثر المحطات السياسية ازدحاما خلال العام، حيث يجتمع قادة الدول والحكومات لمناقشة ملفات تتراوح بين الحروب والأزمات الإنسانية والمناخ والصحة، وصولا إلى التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي.
ومن المتوقع أن يشارك نحو 130 من رؤساء الدول والحكومات في اجتماعات الدورة التي تعقد في مقر الأمم المتحدة.
وتعد الأمم المتحدة، التي تأسست عام 1945 بمشاركة 51 دولة، أكبر منظمة دولية، قبل أن يرتفع عدد أعضائها إلى 193 دولة. وتتمثل أهدافها الأساسية في حفظ السلام والأمن الدوليين، ودعم التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي، وتعزيز احترام حقوق الإنسان.
أما الجمعية العامة فتعد أحد الأجهزة الرئيسية الستة للمنظمة، وهي الأوسع تمثيلا، إذ تضم جميع الدول الأعضاء وتمنح كل دولة حق التصويت.
وفي المقابل، يحتفظ مجلس الأمن بالنفوذ الأكبر في ملفات السلم والأمن الدوليين، ويتكون من 15 دولة، بينها خمس دول دائمة العضوية تتمتع بحق النقض.
دورة تحمل شعار استعادة الثقة
بدأت أنشطة الدورة الـ81 في 8 سبتمبر/أيلول الجاري، برئاسة وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن، تحت شعار "استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة في خدمة الجميع".
أما الجزء الأكثر أهمية، فيتمثل في المناقشة العامة رفيعة المستوى التي تبدأ الثلاثاء 22 سبتمبر/أيلول وتستمر حتى السبت 26 من الشهر نفسه، قبل أن تتوقف ليوم واحد وتستأنف الاثنين 28 سبتمبر/أيلول.
وتنعقد الدورة في ظروف دولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها النزاعات المسلحة مع التنافس بين القوى الكبرى والأزمات الإنسانية، بالتزامن مع تغيرات مناخية متسارعة ومخاوف صحية وتطور تكنولوجي سريع وضغوط سياسية ومالية على مؤسسات النظام الدولي.
اقرأ أيضا: سفير أمريكي سابق يربط إصلاح العلاقات بإطاحة نتنياهو
أجندة تبدأ قبل وصول القادة
ولا تقتصر أعمال الجمعية العامة على خطابات القادة في القاعة الرئيسية، إذ يتضمن البرنامج سلسلة واسعة من الاجتماعات والفعاليات المتخصصة في التنمية والمناخ والصحة وحقوق الإنسان ونزع السلاح.
وفي 18 سبتمبر/أيلول، وقبل وصول معظم القادة، يعقد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش فعالية "لحظة أهداف التنمية المستدامة"، تحت شعار "معا، يمكننا الوصول".
ويعقب ذلك اجتماع رفيع المستوى لبحث تطورات أزمة المناخ وتسريع التحول في مجال الطاقة، إلى جانب فعالية أخرى تتناول التهديدات التي يمثلها ارتفاع مستوى سطح البحر.
كما تشمل أجندة الدورة ملفات الوقاية من الجوائح والتأهب لها، ومكافحة العنصرية وكراهية الأجانب، إضافة إلى الجهود الدولية المتعلقة بنزع السلاح النووي.
الشرق الأوسط وأوكرانيا في الواجهة
مع بدء المناقشة العامة، يتوقع أن تستحوذ الملفات السياسية والأمنية على جانب كبير من النقاش، وفي مقدمتها حروب الشرق الأوسط والحرب الروسية الأوكرانية.
وقال غوتيريش قبل أيام إن العالم دخل، بحسب وصفه، "عصرا من عدم اليقين العميق"، في ظل الانقسامات الجيوسياسية والحروب وتراجع الثقة بالمؤسسات الدولية.
وحدد الأمين العام الذكاء الاصطناعي غير المنضبط وأزمة المناخ واتساع فجوة عدم المساواة، إلى جانب النزاعات المسلحة، باعتبارها من أبرز التهديدات التي تواجه العالم.
وقال إن النظر إلى الحرب الروسية الأوكرانية وإلى الشرق الأوسط يظهر، وفق تعبيره، أن الأوضاع تزداد سوءا يوما بعد يوم.
ومن المتوقع أن يحضر الشرق الأوسط بقوة في كلمات القادة واجتماعاتهم الثنائية، خصوصا في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة والضفة الغربية وما يرتبط بها من نقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية.
كما يتوقع حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى نيويورك في زيارة قصيرة، بعد أن أقر رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني بعدم قدرته على تنفيذ مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية.
وفي المقابل، رفضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومسؤولين فلسطينيين آخرين تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة للعام الثاني على التوالي، في حين قررت منح تأشيرات لوفد إيراني برئاسة الرئيس مسعود بيزشكيان، مع فرض قيود على تحرك دبلوماسيين إيرانيين.
أوكرانيا والسودان وأزمات أخرى
وتبقى الحرب الروسية الأوكرانية من الملفات الرئيسية، مع استمرار الخلافات بشأن شروط وقف القتال وأي تسوية سياسية محتملة.
وأكد غوتيريش أن وقف إطلاق النار وتهيئة الظروف للوصول إلى سلام عادل لا يزالان من أولويات الأمم المتحدة.
كما يحضر السودان في جدول النقاشات، في ظل وصف غوتيريش الوضع الإنساني هناك بأنه مدمر، وتحذيره من أثر التدخلات الخارجية وتدفق الأسلحة في إطالة أمد الصراع.
وبدرجات متفاوتة، تتناول الاجتماعات أزمات أخرى في اليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية وهايتي ومنطقة الساحل وميانمار.
الذكاء الاصطناعي يدخل بقوة
إلى جانب ملفات الحروب، يبرز الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد الموضوعات الجديدة التي يتوقع أن تحظى باهتمام واسع خلال اجتماعات هذا العام.
وتتصاعد الدعوات إلى وضع ضوابط أكثر صرامة لتطوير هذه التكنولوجيا، في ظل تحذيرات أطلقها عدد من العاملين في القطاع بشأن احتمالات وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي مستقبلا إلى مستويات من التطور تسمح لها بتطوير قدراتها بصورة ذاتية، بما يثير تساؤلات حول قدرة البشر على التحكم فيها.
وتأتي هذه النقاشات في ظل منافسة متزايدة بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي.
ودعا غوتيريش إلى تعزيز التنسيق الدولي في هذا المجال، محذرا من أن العالم لا يستطيع الدخول في سباق تتراجع فيه معايير سلامة الذكاء الاصطناعي.
كما وضع مخاطر التطور غير المنضبط للذكاء الاصطناعي إلى جانب تغير المناخ وعدم المساواة باعتبارها تحديات تحتاج إلى تعاون دولي، محذرا من أن التطور التكنولوجي يتقدم بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على فهم بعض مخاطره ووضع الضمانات اللازمة.
ومن المقرر عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن لمناقشة هذه القضية، فيما ترعى الأمم المتحدة حوارا عالميا حول حوكمة الذكاء الاصطناعي بهدف بناء تفاهمات بشأن السلامة والمساءلة والإشراف البشري وتوزيع فوائد التكنولوجيا بصورة أكثر عدالة.
المناخ وارتفاع مستوى البحار
ويحتل تغير المناخ موقعا بارزا في برنامج الدورة، في ظل تسجيل درجات حرارة قياسية في مناطق مختلفة من العالم وتصاعد الظواهر الجوية القصوى.
ويعتزم غوتيريش عقد اجتماع حول "العمل المناخي والتحول العادل"، يتبعه يوم مخصص لمناقشة ارتفاع مستوى مياه البحار، الذي يمثل تهديدا وجوديا للدول الجزرية المنخفضة.
كما يتوقع أن تحظى العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمناخ باهتمام خلال فعاليات الأمم المتحدة و"أسبوع المناخ" المصاحب للاجتماعات في نيويورك، بما يشمل مناقشة الأضرار المناخية والبيئية المرتبطة بالتكنولوجيا، إلى جانب إمكاناتها في دعم التحول البيئي.
أزمة ثقة تطال النظام الدولي
وراء تعدد الملفات المطروحة، يبرز سؤال يتعلق بقدرة النظام متعدد الأطراف على التعامل مع عالم يشهد انقسامات متزايدة.
ويواجه مجلس الأمن بصورة متكررة صعوبة في اتخاذ قرارات نتيجة الخلافات بين القوى الكبرى واستخدام حق النقض، فيما تتزايد الدعوات إلى إصلاح مؤسسات أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث تعكس التحولات التي طرأت على موازين القوى وصعود دول واقتصادات جديدة.
ويقر خليل الرحمن بوجود اعتقاد واسع بتراجع الثقة في الأمم المتحدة، مرجعا ذلك إلى استمرار أزمات وصراعات كبرى دون حلول، إضافة إلى عدم إدراك قطاعات واسعة من الرأي العام لحجم العمل الذي تقوم به المنظمة في مجالات الإغاثة والتنمية ومواجهة تغير المناخ.
لكنه يشير في المقابل إلى أن الأمم المتحدة تنفذ أعمالا إنسانية وتنموية واسعة لا تصل في كثير من الأحيان إلى عناوين الأخبار، الأمر الذي قد يجعل حجم هذا النشاط غير واضح بالنسبة إلى الجمهور.
وتتزامن أعمال الدورة مع استمرار مشروع إصلاح الأمم المتحدة، الذي يبحث في كفاءة المنظمة وهياكلها وآليات تنفيذ التفويضات، في وقت دعا فيه رئيس الجمعية العامة الدول الأعضاء إلى سداد مساهماتها المالية كاملة وفي مواعيدها.
ويربط رئيس الجمعية العامة بين استعادة الثقة وقدرة المنظمة على تحقيق نتائج ملموسة وإصلاح آليات عملها.
ضغوط مالية وسياسية متزايدة
وتنعقد الدورة في وقت يتعرض فيه النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية لضغوط سياسية ومالية متزايدة، بينما تواجه الأمم المتحدة تحديات تتعلق بالحفاظ على دورها وتأثيرها.
وتشمل هذه الضغوط سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاه المنظمة الدولية، بعد خفض إسهامات الولايات المتحدة وانسحابها من عشرات المنظمات التابعة للأمم المتحدة.
ونقلت وكالة رويترز عن ريتشارد جوان من مجموعة الأزمات الدولية قوله إن المنظمة، بعد أكثر من عام على عودة ترمب إلى البيت الأبيض، لم تعد توصف بأنها في "حالة سقوط حر"، لكنها لا تزال، بحسب تقييمه، عالقة في أزمة مفتوحة الأمد.
ويضيف جوان أن الأمم المتحدة قد لا تكون في الوضع الحرج الذي كانت عليه خلال العام السابق، لكنها تبدو، وفق وصفه، وكأنها ستبقى في حالة أزمة شديدة لفترة غير محددة.
وبين الحروب المفتوحة والأزمات الإنسانية والمناخ والذكاء الاصطناعي وأزمة الثقة، تبدو الدورة الـ81 أمام جدول أعمال يعكس حجم التحولات التي يواجهها النظام الدولي، فيما تبقى قدرة القادة على تحويل النقاشات والبيانات إلى إجراءات مشتركة هي الاختبار الأبرز خلال اجتماعات نيويورك.