حضور يتجاوز البروتوكول
لم تعد مشاركة الرئيس السوري أحمد الشرع في المنتديات الحوارية والإعلامية الإقليمية والدولية مجرد حضور بروتوكولي، بعدما تكررت مشاركاته في فعاليات استضافتها الدوحة ودبي وأنطاليا ولندن، وصولاً إلى مشاركته في قمة الإعلام العربي بدبي في 15 أيلول الحالي.
ومن المقرر أن يشارك الشرع أيضاً في منتدى ينظمه المجلس الأطلسي في نيويورك في 22 أيلول، بالتزامن مع مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
ويطرح هذا الحضور المتكرر تساؤلات حول أهمية هذه المنصات بالنسبة إلى سوريا، وأسباب تنامي الاهتمام الدولي بها منذ سقوط نظام الأسد، إلى جانب المكاسب التي تسعى دمشق إلى تحقيقها من خلال الظهور المباشر أمام النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية.
اقرأ أيضاً: واشنطن ترفع قيد السلاح عن سوريا.. ماذا بعد؟
دبلوماسية مفتوحة
يرى محللون أن أهمية مشاركة الشرع في هذه المنتديات تتجاوز الظهور الإعلامي، إذ تمنح القيادة السورية مساحة لعرض رؤيتها للمرحلة الانتقالية بصورة مباشرة، وشرح أولوياتها المتعلقة بالاستقرار وبناء المؤسسات وتحريك الاقتصاد وإعادة صياغة العلاقات مع المحيطين العربي والدولي.
وتختلف المنتديات الحوارية عن الاجتماعات الرسمية المغلقة، وفق مراقبين، لأنها تجمع صناع القرار بالنخب السياسية والاقتصادية والفكرية والإعلامية أمام جمهور أوسع، كما تتيح طرح الأسئلة والمداخلات التي تساعد في توضيح المواقف واختبار توجهات القيادة السورية.
ويتيح هذا النوع من الحضور لدمشق تقديم روايتها بشأن المرحلة الجديدة، بعد سنوات تشكلت خلالها صورة سوريا دولياً عبر مواقف وتقارير صادرة عن أطراف إقليمية ودولية متعددة.
اقرأ أيضاً: الأسرة السورية في مواجهة الغلاء.. ماذا بقي من الضروريات؟
بناء الثقة
لا تقتصر أهمية المنتديات على الخطاب العلني، إذ يرى مراقبون أن اللقاءات الجانبية التي تجري على هامشها قد تفتح قنوات اتصال بين المسؤولين السوريين وشخصيات سياسية واقتصادية وباحثين ورجال أعمال من دول مختلفة.
وقد تتحول هذه الاتصالات، بحسب محللين، إلى زيارات رسمية أو تفاهمات أو اتفاقيات مستقبلية، بما يجعل المنتديات إحدى أدوات الدبلوماسية غير الرسمية في مرحلة تسعى فيها سوريا إلى إعادة بناء شبكة علاقاتها الخارجية.
كما تسمح هذه المنصات بنقل النقاش حول سوريا من ملفات الحرب والأمن والنزوح إلى قضايا إعادة الإعمار والاستثمار والطاقة والتجارة والبنية التحتية ومستقبل العلاقات الإقليمية.
اقرأ أيضاً: لواء من عهد الأسد في قبضة الأمن السوري
لماذا سوريا؟
يرتبط الاهتمام المتزايد بسوريا، وفق محللين، بطبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، وما تثيره من تساؤلات حول شكل الدولة المقبلة، وعلاقاتها مع دول الجوار والقوى الكبرى، وتوجهاتها الاقتصادية والأمنية والسياسية.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية إضافية بسبب الموقع الجغرافي لسوريا وتشابك مصالح دول عديدة فيها، بينها تركيا والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل ودول الخليج وإيران، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية.
ويرى مراقبون أن حضور الرئيس السوري شخصياً يمنح الأطراف الإقليمية والدولية فرصة للاستماع مباشرة إلى تصور القيادة الجديدة بشأن مستقبل البلاد، بدلاً من الاكتفاء بالبيانات الرسمية أو المواقف المنقولة عبر قنوات أخرى.
مكاسب متعددة
تتمثل أبرز المكاسب المحتملة لسوريا، بحسب محللين، في تقليص فجوة الثقة مع الخارج، وتوسيع شبكة العلاقات مع الحكومات والمؤسسات الاقتصادية والإعلامية، وتحويل الاهتمام السياسي إلى فرص تعاون واستثمار.
كما تتيح هذه المنتديات لدمشق عرض فرص الاستثمار أمام الشركات ورجال الأعمال، في ظل حاجتها إلى عمليات إعادة إعمار واسعة تتطلب رؤوس أموال وخبرات وشركات متخصصة في قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات والبنية التحتية والصناعة والزراعة.
لكن مراقبين يشيرون إلى أن تحويل الحضور الدولي إلى نتائج ملموسة يتطلب سياسات داخلية واضحة، ومؤسسات فاعلة، وضمانات قانونية، وبيئة استثمارية قادرة على ترجمة الخطاب السياسي إلى مشروعات فعلية.
خطاب الشرع
ركز الشرع في مشاركاته على الانتقال من «منطق الفصائل» إلى «منطق الدولة والمؤسسات»، مقدماً سوريا باعتبارها دولة تسعى إلى تجاوز مرحلة الصراع والانتقال نحو إعادة البناء والتنمية.
كما طرح الرئيس السوري فكرة الانتقال من التعامل مع سوريا بوصفها أزمة إلى النظر إليها باعتبارها فرصة اقتصادية واستثمارية، داعياً إلى استثمار إمكاناتها في إعادة الإعمار وتحريك الاقتصاد.
وأكد أن الحكومة تتجه نحو سياسة العمل بدلاً من الشكوى، في مواجهة مشكلات متراكمة، مشيراً إلى أن بناء سوريا الجديدة يتطلب خطوات عملية على الأرض وليس الاكتفاء بالوعود.
انفتاح إقليمي
أولى الشرع أهمية للعلاقات العربية والتعاون الإقليمي والدولي، مؤكداً حاجة سوريا إلى استعادة دورها في المنطقة والاستفادة من التجارب والخبرات العربية في دعم الاستقرار والتنمية.
وفي مشاركته الأخيرة بقمة الإعلام العربي في دبي، قال إن موقع سوريا الجغرافي يجعل استقرارها مصلحة مشتركة لدول المنطقة، مشيراً إلى أن المرحلة الانتقالية تفرض تحديات وقرارات قد تظهر نتائجها الإيجابية تدريجياً.
كما تحدث عن إرث يمتد لنحو 60 عاماً من الفساد الإداري وسوء التخطيط، معتبراً أن البلاد تعمل حالياً على إعادة بناء مؤسساتها والاستفادة من التجارب المتاحة رغم التحديات.
الاقتصاد في الواجهة
قدم الشرع خلال مشاركاته أرقاماً تتعلق بحجم الاقتصاد السوري، قائلاً إن الاقتصاد بلغ نحو 20 مليار دولار عند التحرير في أواخر عام 2024، قبل أن يرتفع إلى 32 مليار دولار في 2025، مع توقع وصوله إلى 50 مليار دولار خلال العام الحالي.
كما سلط الضوء على القطاع الزراعي، مشيراً إلى أن قدرات الإنتاج في سوريا يمكن أن تكفي لإطعام نحو 70 مليون شخص، وقد ترتفع إلى نحو 100 مليون في حال إدخال تقنيات حديثة وتطوير القدرات الإنتاجية.
وتأتي هذه الطروحات في إطار محاولة تقديم سوريا كجزء من منظومة اقتصادية إقليمية أوسع، وليس فقط كدولة خارجة من سنوات من الصراع.
رهانات المرحلة المقبلة
يرى محللون أن تكرار ظهور الشرع في المنتديات الدولية يعكس محاولة للاستفادة من المنصات المفتوحة في إعادة تقديم سوريا، وشرح توجهات قيادتها، وفتح قنوات سياسية واقتصادية جديدة.
لكن مراقبين يرون أن قيمة هذا الحضور ستبقى مرتبطة بمدى قدرة دمشق على تحويل الرسائل التي تقدمها في هذه المنابر إلى سياسات ومشروعات ونتائج قابلة للقياس، خصوصاً في ملفات الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار والعلاقات الخارجية.