في الوقت الذي تدخل فيه الحرب الأمريكية على إيران شهرها السابع، تتزايد الأسئلة داخل الولايات المتحدة بشأن مسار وزارة الدفاع تحت قيادة بيت هيغسيث، بعدما ترافقت الحرب مع تغييرات واسعة في هيكل القيادة العسكرية، وإعادة توجيه بعض أولويات الجيش، وخلافات حول كيفية الاستعداد لحروب تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا والطائرات المسيّرة.
ومن أكثر الخطوات إثارة للجدل سياسة فحوص هرمون الذكورة. فقد أعلن هيغسيث في تموز إلزام العسكريين الذين تجاوزوا سن الثلاثين بالخضوع سنوياً لفحص نقص هرمون التستوستيرون ضمن الفحوص الصحية الدورية، مع إتاحة الفحص اختيارياً لمن هم دون الثلاثين.
وتراجعت وزارة الدفاع مؤقتاً عن الإرشادات التفصيلية التي نشرتها في أيلول، قبل أن تعيد تفعيل السياسة بعد إدخال تعديلات عليها. وبحسب أحدث التوجيهات، أصبح الفحص إلزامياً للرجال في الخدمة ممن تبلغ أعمارهم 30 عاماً فأكثر، بينما لا يشمل الفحص الروتيني النساء حالياً. وأثارت الخطة اعتراضات من جهات طبية رأت أن الأدلة لا تدعم إجراء فحص جماعي روتيني لجميع الأفراد من دون أعراض.
أقرا أيضاً:الدفاع المدني السعودي يعلن زوال الخطر عن الرياض
«العودة إلى الأساسيات» في مواجهة حرب المسيّرات
يتزامن ذلك مع توجه داخل الجيش الأمريكي لإعادة التركيز على ما تسميه القيادة العسكرية «الأساسيات»، وهو ما ظهر بصورة واضحة في القرار المتعلق بوحدة متخصصة في حرب الطائرات المسيّرة.
وكان الجيش قد أنشأ كتيبة هجومية غير مأهولة تضم نحو 600 عسكري في أوروبا، بهدف اختبار تقنيات الطائرات المسيّرة والروبوتات الأرضية والاستفادة من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا.
غير أن القيادة العسكرية قررت إنهاء المهمة المتخصصة للكتيبة وإعادتها إلى دورها التقليدي ككتيبة مشاة محمولة جواً، بعد استكمال تدريبات مقررة في ألمانيا. وقال مسؤولون في الجيش إن الوحدة كانت تجربة مؤقتة منذ البداية، وإن الهدف كان تعميم الدروس التي تجمعها على بقية تشكيلات الجيش، وليس الإبقاء عليها كقوة دائمة متخصصة.
وأثار القرار اعتراضات من مشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، طالبوا الجيش بتوضيح الأسس التي استند إليها، محذرين من أن إنهاء المهمة المتخصصة قد يحد من قدرة الجيش على الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في حرب المسيّرات.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل الحرب مع إيران، حيث أظهرت العمليات العسكرية أهمية الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، فضلاً عن الضغط الذي تسببه على الدفاعات الأمريكية واستنزافها للذخائر الاعتراضية.
أقرا أيضاً:وفد باكستاني إلى طهران لفتح مسار التفاوض مجدداً
تغييرات واسعة في القيادة العسكرية
ولا تقتصر إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية على العقيدة والبرامج القتالية، إذ شهدت فترة هيغسيث مغادرة عدد كبير من كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين.
ووفق شبكة «سي بي إس»، غادر أو أُقيل ما لا يقل عن 20 جنرالاً وأميرالاً ومسؤولاً مدنياً رفيعاً منذ تولي هيغسيث وزارة الدفاع، بينهم قادة عسكريون كبار ومسؤولون في مواقع قيادية أساسية. كما أثيرت انتقادات بشأن تأثير التغييرات في قوائم الترقيات، خصوصاً بالنسبة إلى النساء والضباط السود.
وكان هيغسيث قد انتقد قبل توليه المنصب ما وصفه بسياسات التنوع والمساواة داخل الجيش، ودعا إلى إعادة التركيز على الجاهزية والقدرة القتالية. وترافقت هذه الرؤية مع دفع باتجاه معايير أكثر تشدداً في اللياقة البدنية والانضباط، وهو ما وضعه في مواجهة مع بعض القيادات التي كانت تدفع باتجاه تحديث المؤسسة لمواجهة التطور السريع في التكنولوجيا العسكرية.
ومن أبرز المغادرين الجنرال راندي جورج، الذي أُخرج من منصب رئيس أركان الجيش في نيسان، والجنرال كريستوفر دوناهو، الذي تقدم بطلب للتقاعد، إضافة إلى وزير الجيش دان دريسكول الذي استقال في نهاية آب بعد أشهر من التوتر مع هيغسيث.
استقالة دريسكول تفتح ملف القيادة
جاءت استقالة دريسكول في وقت كانت فيه الخلافات داخل قيادة الجيش مرتبطة بصورة خاصة بمسألة تحديث القوات والتكيف مع طبيعة الحروب الحديثة.
وكان دريسكول وجورج قد دفعا باتجاه «مبادرة تحول الجيش»، التي ركزت على تسريع إدخال الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة إلى الوحدات العسكرية، والاستفادة من تجربة أوكرانيا في تطوير أساليب القتال.
وتقول تقارير أمريكية إن دريسكول أبلغ مسؤولين في الإدارة بمخاوفه بشأن إبعاد بعض القادة الذين كانوا يقودون جهود تحديث الجيش، فيما ربطت مصادر استقالته بالخلافات المتراكمة مع هيغسيث. ولم تعلن الإدارة الأمريكية سبباً رسمياً محدداً لاستقالته.
وبذلك، أدى خروج دريسكول إلى إضافة شاغر جديد في قمة القيادة المدنية للجيش، في وقت تشهد فيه المؤسسة تغييرات واسعة على مستوى قياداتها العسكرية.
جدل حول الكفاءة والتنوع والترقيات
ومن الملفات الأخرى التي أثارت الجدل تدخل هيغسيث في الترقيات والتعيينات العسكرية. وتحدثت تقارير عن عرقلة ترقية عشرات الضباط إلى رتب عليا، فيما قالت مصادر إن نسبة ملحوظة من المتأثرين بهذه الإجراءات كانوا من النساء أو الضباط المنتمين إلى أقليات عرقية.
وتشير تقارير أخرى إلى أن إقصاء عدد من كبار الضباط ارتبط بخلافات داخلية أو بعلاقاتهم مع مسؤولين سبق أن دخلوا في صدامات مع الرئيس دونالد ترمب.
في المقابل، تدافع إدارة ترمب عن التغييرات باعتبارها جزءاً من إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية والتركيز على الجاهزية والقدرة القتالية، بينما يرى منتقدون أن حجم التغييرات وسرعتها قد يضعف استقرار القيادة في فترة تشهد عمليات عسكرية واسعة.
الحرب تضيف ضغوطاً على المؤسسة
وإلى جانب التغييرات القيادية، تواجه القوات الأمريكية ضغوطاً ناجمة عن استمرار الحرب مع إيران. فقد أدى تمديد انتشار حاملتي طائرات إلى زيادة الضغوط اللوجستية والمعيشية على الطواقم، ولا سيما مع الأضرار التي لحقت ببعض القواعد الأمريكية في المنطقة وتداعيات استمرار العمليات.
كما ظهرت انتقادات بشأن طريقة احتساب الخسائر البشرية خلال الحرب، مع اتهامات للبنتاغون باستخدام تصنيفات مختلفة للوفيات بحسب طبيعة العمليات وتوقيتها. وكانت تقارير حديثة قد أشارت إلى أن عدد العسكريين الأمريكيين الذين قتلوا خلال الحرب قد يكون أعلى من الرقم المدرج في السجلات الرسمية، وهو ما نفاه هيغسيث بشدة.
وترافقت هذه القضية مع تقارير عن صعوبات واجهتها بعض العائلات العسكرية في الحصول على المزايا المرتبطة بعمليات الإجلاء من الشرق الأوسط أو بالوفيات التي وقعت خلال الحرب.
صدام مع الإعلام العسكري
وتوترت العلاقة أيضاً بين قيادة وزارة الدفاع وبعض وسائل الإعلام العسكرية. وتعرضت صحيفة «ستارز آند سترايبس»، التي يعتمد عليها أفراد الخدمة وعائلاتهم كمصدر مستقل للأخبار العسكرية، لضغوط بعد نشر تقارير تناولت أوضاع القوات وتكاليف الحرب.
وبحسب المادة الأصلية، أدى ذلك إلى إبعاد أحد مراسلي الصحيفة واثنين من كبار المحررين، في خطوة أضيفت إلى سلسلة الإجراءات التي أثارت نقاشاً حول علاقة الوزارة بالإعلام العسكري وحق أفراد القوات المسلحة وعائلاتهم في الوصول إلى معلومات مستقلة بشأن ظروف الخدمة.
بين «روح المحارب» والتكنولوجيا
وتكشف هذه التطورات عن صراع أوسع حول الصورة التي ينبغي أن يكون عليها الجيش الأمريكي في المرحلة المقبلة: هل الأولوية للانضباط واللياقة البدنية والجاهزية القتالية التقليدية، أم لتسريع الاستثمار في المسيّرات والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية وغيرها من التقنيات التي أثبتت حضورها في أوكرانيا والشرق الأوسط؟
هيغسيث يدفع باتجاه ما يسميه «روح المحارب» والتركيز على القتال والجاهزية، فيما يرى منتقدون أن تقليص بعض مبادرات التحديث وإبعاد قادة ارتبطوا بها قد يضعف قدرة الجيش على مواكبة التحولات في طبيعة الحرب.
وفي المقابل، يؤكد الجيش أن إنهاء المهمة المتخصصة لوحدة المسيّرات لا يعني التخلي عن التكنولوجيا، بل نقل الخبرات التي اكتسبتها إلى بقية التشكيلات، وهو ما يعكس وجود خلاف حقيقي حول طريقة تحقيق التحديث، لا حول أهمية المسيّرات نفسها.
وفي ظل استمرار الحرب مع إيران، تتحول هذه الخلافات من نقاش داخلي حول إدارة الجيش إلى قضية مرتبطة مباشرة بقدرة القوات الأمريكية على التعلم والتكيف أثناء نزاع مفتوح. ومع استمرار تبدل القيادات وتغيير البرامج، ستبقى آثار هذه المرحلة مرتبطة بمدى نجاح المؤسسة في الموازنة بين الجاهزية التقليدية ومتطلبات الحرب التكنولوجية الحديثة.