منذ عام 2019، تبدلت كلفة الطاقة على اللبناني بصورة كبيرة. ارتفع سعر صفيحة البنزين من نحو 25 ألف ليرة إلى أكثر من 2.7 مليون ليرة، فيما انتقلت تعرفة كهرباء لبنان من عشرات الليرات للكيلوواط/ساعة إلى التسعير بالسنت الأميركي، بينما بقيت المولدات الخاصة تشكل فاتورة إضافية للأسر.
يرتبط جانب من الارتفاع بانهيار سعر صرف الليرة ورفع الدعم والانتقال إلى تسعير أقرب إلى الكلفة الفعلية، لكن تحويل الأسعار إلى الدولار يكشف زيادة تتجاوز أثر العملة. فقد ارتفع سعر صفيحة البنزين بنحو 83% مقارنة بعام 2019، بينما تضاعفت تقريباً كلفة المولد في مثال استهلاك ثابت، وقفزت تعرفة كهرباء لبنان بأضعاف.
أقرا أيضاً:حكومة لبنان تنتزع الثقة بـ68 صوتاً وسط انقسام نيابي
فلماذا يدفع اللبناني هذه الأسعار اليوم؟ وكم منها يرتبط بالأسعار العالمية، وكم يعود إلى الرسوم والضرائب وكلفة الاستيراد والتمويل والاختلالات الداخلية؟
من 16.5 إلى أكثر من 30 دولاراً
في 17 تشرين الأول 2019، بلغت صفيحة البنزين 95 أوكتان 25,100 ليرة، أي نحو 16.57 دولاراً وفق سعر الصرف في ذلك الوقت، بحسب بيانات تطور أسعار المحروقات التي أعدها ممثل موزعي المحروقات جورج البراكس.
أقرا أيضاً:لماذا يتعثر اتفاق لبنان مع صندوق النقد؟
تجاوز سعر الصفيحة حالياً 2.7 مليون ليرة، بما يزيد على 30 دولاراً وفق سعر صرف يقارب 89,500 ليرة للدولار. ورغم أن السعر بالليرة ارتفع أكثر من مئة ضعف، فإن المقارنة بالدولار تظهر زيادة بنحو 83%.
تطرح هذه الزيادة سؤالاً حول مكونات السعر، خصوصاً أن سعر النفط الخام ليس العامل الوحيد المحدد لكلفة البنزين. ففي نيسان 2012، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 39,100 ليرة، أي نحو 25.9 دولاراً وفق سعر الصرف الرسمي حينها، في فترة سجلت فيها أسعار النفط العالمية مستويات مرتفعة.
برميل النفط ليس المعيار الوحيد
يشرح البراكس أن تسعير البنزين لا يعتمد مباشرة على سعر برميل النفط الخام، بل يتأثر بأسعار المشتقات النفطية المكررة عالمياً. ويشير إلى أن سعر البرميل ارتفع من نحو 103 دولارات في 7 نيسان إلى نحو 107 دولارات لاحقاً، بالتزامن مع ارتفاع سعر الصفيحة من نحو 26 إلى 30.30 دولاراً.
ارتفع سعر طن المشتق النفطي المكرر المستخدم في آلية التسعير خلال الفترة نفسها من نحو 1056 إلى 1242 دولاراً، في ظل اضطرابات أسواق المشتقات وتراجع بعض الإمدادات.
تدخل في السعر النهائي أيضاً الرسوم الجمركية وأجور النقل والعمولات المصرفية وعمولة المحطة والضريبة على القيمة المضافة وسعر الصرف. ويشمل التركيب رسماً جمركياً بقيمة 300 ألف ليرة، إلى جانب الرسم البيئي والـTVA والعمولة المصرفية.
وفق خبراء اقتصاديين، تعكس الزيادة تأثيرات متعددة تشمل انهيار العملة ورفع الدعم والانتقال إلى أسعار أقرب إلى الكلفة الاقتصادية، إلى جانب ارتفاع كلفة الاستيراد نتيجة صعوبة تمويل التجارة الخارجية بعد الأزمة المصرفية، واضطرار المستوردين بدرجة أكبر إلى تأمين السيولة بالدولار، فضلاً عن الشحن والتأمين والتخزين والتوزيع ومخاطر البلد.
من 9.6 إلى 64 دولاراً
كانت تعرفة كهرباء لبنان في 2019 تبلغ 35 ليرة للكيلوواط/ساعة لأول 100 كيلوواط، و55 ليرة للشريحة بين 101 و300 كيلوواط/ساعة، قبل الانتقال إلى شرائح أعلى.
تبلغ التعرفة الحالية 10 سنتات أميركية لأول 100 كيلوواط/ساعة و27 سنتاً لكل كيلوواط/ساعة إضافي، قبل الرسوم والضرائب.
عند احتساب استهلاك ثابت قدره 300 كيلوواط/ساعة، كانت الكلفة وفق التعرفة القديمة تبلغ نحو 14,500 ليرة، أي قرابة 9.6 دولارات وفق سعر الصرف الرسمي في 2019. أما وفق التعرفة الحالية، فتصل كلفة الكمية نفسها إلى 64 دولاراً قبل الرسوم والضرائب، أي نحو 6.7 أضعاف.
كانت التعرفة القديمة أدنى من الكلفة الحقيقية للإنتاج، فيما جرى تمويل الفارق عبر عجز المؤسسة وتحويلات الدولة. أما بعد الأزمة، فأصبحت التعرفة أقرب إلى الكلفة الاقتصادية، لكن ارتفاعها لم ينهِ اعتماد الأسر على المولدات الخاصة بسبب استمرار ساعات الانقطاع.
من 61 إلى نحو 112 دولاراً
في أيلول 2019، حددت وزارة الطاقة تعرفة المولدات الخاصة بـ385 ليرة للكيلوواط/ساعة، إضافة إلى بدل ثابت قدره 15 ألف ليرة لاشتراك 5 أمبير.
بلغت التعرفة في آب 2026 نحو 48,241 ليرة للكيلوواط/ساعة في المدن والمناطق الواقعة تحت 700 متر، إلى جانب بدل ثابت قدره 385 ألف ليرة للاشتراك نفسه.
عند اعتماد استهلاك شهري ثابت يبلغ 200 كيلوواط/ساعة، كانت الفاتورة في 2019 تصل إلى نحو 92 ألف ليرة، أي قرابة 61 دولاراً وفق السعر الرسمي آنذاك. أما وفق تعرفة 2026، فتتجاوز 10 ملايين ليرة، بما يعادل نحو 112 دولاراً.
تكشف المقارنة عن زيادة تقارب 84% بالدولار، لتقترب الكلفة من الضعف خلال الفترة نفسها.
لا تتوقف تداعيات ارتفاع الطاقة عند فاتورة الأسرة، إذ تنتقل كلفة الكهرباء والوقود إلى قطاعات التجارة والصناعة والخدمات، بما يشمل المتاجر والمطاعم والمصانع والفنادق، فتظهر لاحقاً في أسعار السلع والخدمات.
وفق خبراء، نتج ارتفاع كلفة الطاقة في لبنان عن تداخل عوامل عدة، تبدأ بالأسعار العالمية ولا تنتهي عندها، إذ أضيفت إليها أعباء التمويل والاستيراد والتأمين والنقل وضعف البنية التحتية وكلفة إنتاج الكهرباء محلياً.
تكشف مقارنة 2019 بـ2026 أن المشكلة لا تختصر في انهيار سعر صرف الليرة. فصفيحة البنزين ارتفعت بنحو 83% بالدولار، وكلفة المولد اقتربت من الضعف في مثال استهلاك ثابت، بينما زادت تعرفة كهرباء لبنان عدة أضعاف.
تحول اللبناني من أسعار مدعومة أو منخفضة بفعل نظام الصرف السابق إلى أسعار أقرب للكلفة الفعلية، من دون أن ترتفع المداخيل بالوتيرة نفسها. وفي قطاع الكهرباء تحديداً، ارتفعت الفاتورة الرسمية مع استمرار الحاجة إلى المولد الخاص، لتصبح الطاقة واحدة من أبرز مصادر الضغط على ميزانية الأسر والقطاعات الاقتصادية.