عادت سفن روسية إلى ميناء طرطوس على الساحل السوري، في تحرك يعكس استمرار النشاط اللوجستي الروسي في سوريا، بالتزامن مع دخول التفاهمات الجديدة بين دمشق وموسكو بشأن مستقبل الوجود الروسي مرحلة التنفيذ وإعادة التنظيم.
ووصلت مجموعة تضم أربع سفن روسية إلى الساحل السوري في 7 أيلول، بعد عبورها البحر المتوسط، فيما أظهرت صور التقطتها الأقمار الصناعية في اليوم التالي رسو سفينتي الشحن «سبارتا» والإمداد «أكاديميك باشين» داخل ميناء طرطوس، بينما بقيت ناقلة المنتجات النفطية «جنرال سكوبليف» قبالة الساحل.
وتضم المجموعة كذلك المدمرة «أدميرال ليفتشينكو»، التي رافقت السفن الأخرى خلال الرحلة البحرية. وكانت السفن قد عبرت مضيق جبل طارق في 27 آب، قبل أن تتوقف إشارات التتبع الخاصة بها أثناء توجهها شرقًا في البحر المتوسط، وهو ما صعّب تحديد مسارها بشكل مباشر قبل ظهورها قبالة الساحل السوري.
وبحسب معلومات نقلتها «رويترز» عن مصدر عسكري سوري ورجل أعمال روسي-سوري مطلعين على العملية، أفرغت «سبارتا» شحنة تضمنت، وفق المصدرين، ذخائر مخصصة لقاعدتي حميميم وطرطوس. إلا أن الوكالة أشارت إلى عدم تمكنها بصورة مستقلة من التحقق من طبيعة الشحنة أو وجهتها النهائية.
ولم يصدر تعليق رسمي من دمشق أو السفارة الروسية بشأن عملية الإمداد، فيما بقيت طبيعة المواد التي جرى تفريغها غير محسومة بصورة مستقلة، رغم ما أوردته المصادر بشأن وجود ذخائر ضمن الشحنة.
أقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 15-9-2026
عودة لوجستية في مرحلة مختلفة
وتكتسب عودة السفن الروسية أهمية خاصة بسبب توقيتها، إذ تأتي بعد إعلان دمشق وموسكو في آب التوصل إلى تفاهم جديد يعيد تنظيم طبيعة الوجود الروسي في سوريا، ولا سيما المنشآت الواقعة على الساحل.
وبموجب التفاهم، انتقلت إدارة المنشآت ذات الطابع المدني التي كانت تستخدمها روسيا إلى الجانب السوري، ومن بينها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس. كما جرى الاتفاق على تحويل القواعد العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، مع منح الطرفين مهلة ثلاثة أشهر لاستكمال الإجراءات المرتبطة بالترتيبات الجديدة.
وتشير هذه الصيغة إلى أن التفاهم لم يُبنَ على إنهاء الوجود الروسي في سوريا بصورة فورية، وإنما على إعادة تحديد وظائفه وشكله، مع الحفاظ على جوانب من التعاون العسكري والأمني بين الطرفين.
وكانت دمشق قد أعلنت في الوقت نفسه تسلمها المواقع التجارية التي كانت تديرها روسيا في مرفأ طرطوس، بما فيها الرصيف الرابع والمنشآت والمستودعات المرتبطة به، إلى جانب عودة إدارة مطار اللاذقية الدولي إلى الجانب السوري.
اقرأ أيضا: المنع من السفر.. قيود النظام المخلوع تعرقل مغادرة السوريين
من انتشار واسع إلى الساحل
وتختلف صورة الوجود الروسي الحالية بشكل كبير عن مرحلة ما قبل سقوط النظام السابق، عندما شكلت سوريا إحدى أهم ساحات الانتشار العسكري الروسي خارج حدود البلاد.
فمنذ التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا عام 2015، اعتمدت موسكو على قاعدة حميميم الجوية ومرفأ طرطوس كمركزين رئيسيين للعمليات والإمداد، قبل أن تتوسع شبكة انتشارها إلى عشرات المواقع العسكرية في محافظات مختلفة.
وبحلول منتصف عام 2024، قُدّر عدد القواعد والنقاط الروسية في سوريا بنحو 114 موقعًا، إلا أن هذه الخريطة بدأت بالتغير بعد سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول 2024، مع انسحاب القوات الروسية من عدد من المواقع وتقليص انتشارها في مناطق مختلفة.
وشمل الانسحاب مطار القامشلي الدولي في الحسكة مطلع العام الحالي، قبل أن ينحصر الوجود الروسي العسكري بصورة رئيسية في حميميم وطرطوس على الساحل السوري.
موسكو تحافظ على موطئ قدم
وتمنح عودة سفن الإمداد إلى طرطوس مؤشرًا على استمرار الوظيفة اللوجستية للموقع بالنسبة إلى موسكو، حتى مع تغير طبيعة التفاهمات السياسية والعسكرية مع دمشق.
فميناء طرطوس يوفر لروسيا منفذًا بحريًا على المتوسط، بينما تمثل حميميم مركزًا أساسيًا للوجود الجوي الروسي، ما يجعل الموقعين أكثر أهمية بالنسبة إلى موسكو في مرحلة تقلص انتشارها داخل سوريا.
وفي المقابل، فإن تسلم دمشق المنشآت المدنية وإعادة تنظيم القواعد العسكرية وفق صيغة مشتركة يغير الإطار الذي عمل ضمنه الوجود الروسي خلال السنوات الماضية.