بعد نحو سبعة أشهر من الحرب، تبدو واشنطن وطهران أمام معادلة تفاوضية شديدة التعقيد، لا يتعلق جوهرها فقط بإمكانية العودة إلى طاولة الحوار، بل بالسؤال عن الطرف الذي بات يحتاج إلى التسوية أكثر من الآخر، ومن يستطيع الانتظار لفرض شروط أفضل.
ففي الوقت الذي يكرر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب رسائل عن إمكانية إنهاء الحرب ويفتح الباب أمام التفاوض، تواصل إدارته الضغط العسكري والاقتصادي على إيران. أما طهران، فتتعامل مع الدعوات الأمريكية بحذر شديد، وترفض العودة إلى حوار لا يسبقه وقف للهجمات وتقديم تنازلات واضحة.
اقرأ أيضاً: هرمز بين التوتر والمفاوضات.. عُمان تتوقع انفراجاً قريباً
حرب أطول من الحسابات
دخلت الحرب مرحلة تتجاوز المدة التي سبق أن تحدث عنها ترمب عند اندلاعها، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام استحقاقات داخلية متزايدة.
وتشير بيانات أمريكية رسمية إلى أن كلفة العمليات بلغت حتى نهاية حزيران نحو 33.4 مليار دولار، بينها 22.3 مليار دولار للذخائر، بالتزامن مع ضغوط على المخزونات وسلاسل التوريد.
وتحاول وزارة الدفاع الأمريكية تسريع الإنتاج وتعويض ما استُهلك من الأسلحة، فيما يؤكد ترمب أن المصانع الدفاعية تعمل بوتيرة مرتفعة وأن إنتاج منظومات الدفاع الصاروخي والصواريخ المجنحة يتزايد.
لكن التباين بين التصريحات الرسمية وأرقام الاستهلاك يوضح أن الذخائر لم تعد مسألة عسكرية بحتة، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في النقاش السياسي حول جدوى استمرار الحرب وكلفتها.
اقرأ أيضاً: الحرب على إيران تستنزف مخزونات أميركا.. البنتاغون يكشف التفاصيل
الحساب الداخلي يلاحق ترمب
وتزداد حساسية الملف مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في ظل ضغوط تتصل بأسعار الوقود والغذاء والتضخم، فضلاً عن نقاشات داخل الكونغرس بشأن استمرار التمويل والوجود العسكري الأمريكي.
وهنا يصبح إنهاء الحرب بالنسبة إلى ترمب معادلة دقيقة: فالإطالة تعني استمرار الكلفة، بينما قد يؤدي التفاوض من دون مكاسب واضحة إلى إضعاف صورة الرئيس الذي وعد بتحقيق نتائج حاسمة وعدم الانخراط في حروب جديدة.
ولهذا يمكن قراءة تغير لهجة واشنطن بشأن التفاوض بوصفه محاولة لإبقاء الخيارات مفتوحة، من دون أن يعني بالضرورة أن الإدارة قررت تقديم تنازلات لطهران.
العقوبات كبديل عن الحسم
إلى جانب الضغط العسكري، توسع واشنطن استخدام العقوبات الاقتصادية، بما في ذلك ملاحقة شبكات مالية ومؤسسات خارج إيران تتهمها بمساعدة طهران على تجاوز العقوبات.
ويعكس هذا المسار رهاناً على أن الضغط المتراكم يمكن أن يغيّر حسابات القيادة الإيرانية من دون الحاجة إلى استمرار الحرب بالمستوى نفسه. لكن العقوبات تحتاج إلى وقت حتى تنتج آثارها، وهو ما يجعلها أداة ضغط طويلة الأمد أكثر من كونها حلاً سريعاً للأزمة.
كما أن توسيع العقوبات إلى أطراف خارجية يكشف محاولة أمريكية لخنق المسارات التي تستخدمها إيران للحفاظ على قنوات التجارة والتمويل، وهو ما يرفع كلفة الأزمة على الطرفين ويجعل التسوية أكثر تعقيداً.
طهران لا تريد تفاوضاً بلا ثمن
في المقابل، لا تتعامل إيران مع التفاوض باعتباره مخرجاً مطلوباً بأي ثمن. وتربط العودة إلى الحوار بمجموعة من الشروط التي تشمل وقف الهجمات والتهديدات، وإنهاء الإجراءات المفروضة على الملاحة، والإفراج عن أموال إيرانية ورفع العقوبات والتعامل مع الخسائر الناجمة عن الحرب.
وتنبع هذه المقاربة من أزمة ثقة عميقة بين الطرفين، إذ ترى طهران أن الدخول في مفاوضات من دون ضمانات قد يتيح لواشنطن استخدام الحوار لإعادة ترتيب الضغوط، بدلاً من الوصول إلى اتفاق مستقر.
ومن هذه الزاوية، فإن الرفض الإيراني لا يعني إغلاق باب التفاوض بالكامل، بقدر ما يعني محاولة تغيير شروط الدخول إليه. فطهران تريد أن تبدأ المفاوضات من نتائج سياسية واقتصادية محددة، لا من مجرد وقف لإطلاق النار يعيد إنتاج الظروف السابقة.
هرمز يعكس مأزق التسوية
ويبقى مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في هذه المعادلة. فقد ربطت التفاهمات السابقة بشأنه بين حرية الملاحة وبين ترتيبات تتصل برفع الحصار وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية، قبل أن تنهار تلك التفاهمات وسط خلافات بشأن آلية التعامل مع المضيق.
وفي الميدان، أعلنت إيران إسقاط طائرة مسيرة أمريكية قرب المضيق، بينما تؤكد واشنطن أنها قادرة على ضمان مرور ناقلات النفط وتطالب الدول المستفيدة بالمساهمة في كلفة حماية الملاحة.
غير أن تراجع حركة السفن يبقى مؤشراً أكثر دلالة من التصريحات المتفائلة، إذ تظهر أزمة هرمز أن الحرب لم تعد محصورة في الجبهة العسكرية، بل امتدت إلى التجارة والطاقة والتأمين والاقتصاد العالمي.
من يحتاج التفاوض أكثر؟
المفارقة أن الطرفين يبدوان راغبين في تحسين موقعهما قبل التفاوض، لا في التفاوض لمجرد إنهاء الحرب. واشنطن تحتاج إلى مخرج لا يبدو استسلاماً للضغوط، وطهران تريد تسوية تضمن أن وقف الحرب لن يتحول إلى مقدمة لجولة جديدة من الضغط.
وبينما تراهن الولايات المتحدة على العقوبات والضغط العسكري لإجبار إيران على تغيير حساباتها، تراهن طهران على الوقت وعلى الكلفة المتزايدة للحرب، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات السياسية الأمريكية.
لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل سيتفاوض الطرفان؟ بل أصبح: من سيصل إلى الطاولة وهو أكثر حاجة إلى الاتفاق؟ وهذه النقطة تحديداً قد تكون العامل الأكثر تأثيراً في شكل أي تسوية مقبلة، إذا نجحت الضغوط المتبادلة في دفع الطرفين أخيراً إلى الحوار.