سوريا تفتح صفحة نووية جديدة.. من الرقابة إلى الاستخدام السلمي

محمد الصالح - دير الزور - وكالة أنباء آسيا

2026.09.14 - 12:58
Facebook Share
طباعة

مرحلة جديدة
دخل الملف النووي السوري مرحلة مختلفة بعد قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنهاء بند عدم امتثال سوريا لالتزاماتها في مجال منع الانتشار النووي وإخراجه من جدول أعمال المجلس، في خطوة تنهي مساراً قانونياً بدأ عام 2011، لكنها لا تعني إغلاق جميع الأسئلة المتعلقة بالأنشطة النووية السورية السابقة.
واعتمد مجلس المحافظين، المؤلف من 35 دولة، القرار في 9 أيلول بالتوافق، بناء على مشروع قدمته مصر والأردن والمغرب والسعودية، بعد إعلان الوكالة إحراز تقدم في معالجة القضايا العالقة المرتبطة بالبرنامج النووي السوري السابق.

اقرأ أيضاً: درعا تكثف حصر الآبار المخالفة قبل انتهاء مهلة التسوية


طيّ صفحة
يمثل القرار تحولاً في طبيعة التعامل الدولي مع الملف السوري، إذ تنتقل دمشق من مواجهة تبعات قرار عدم الامتثال إلى مرحلة تقوم على التعاون والرقابة والتحقق وبناء الثقة.
ويرى مختصون أن إنهاء حالة عدم الامتثال لا يمكن اعتباره حكماً شاملاً على جميع تفاصيل الماضي، خصوصاً أن الوكالة تواصل أعمال التحقق والاستقصاء بشأن بعض المواقع والمواد المرتبطة بالأنشطة النووية السابقة.
ويبرز موقع دير الزور ضمن أكثر الملفات حساسية، بعدما دمرته إسرائيل عام 2007، وسط استنتاجات للوكالة بأنه كان، على الأرجح، مفاعلاً نووياً كان قيد الإنشاء.

اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 13-9-2026


73 طناً تحت الرقابة
أظهرت تقارير الوكالة العثور في سوريا على نحو 73 طناً من اليورانيوم الطبيعي، معظمها في صورة مواد مرتبطة بوقود نووي، وأصبحت هذه المواد خاضعة لإجراءات الضمانات والرقابة الدولية.
وكان المدير العام للوكالة قد أشار إلى أن المنشأة التي دُمرت في دير الزور كانت قريبة من الاكتمال، وأن تصميمها كان يمكن أن يتيح إنتاج مواد انشطارية، مع بقاء مسألة النوايا النهائية وراء إنشائها موضع تقييم.
ويمنح هذا الملف استمرار التعاون بين دمشق والوكالة أهمية خاصة، باعتبار أن التعامل مع المواد والمنشآت السابقة يتطلب شفافية وآليات تحقق واضحة.

اقرأ أيضاً: احتجاجات المحروقات تتسع في سوريا وسط تحركات نيابية


التعاون بعد التغيير
بعد سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، بدأت السلطات السورية الجديدة توسيع التعاون مع الوكالة، وسمحت لمفتشيها بالوصول إلى مواقع مرتبطة بالأنشطة النووية السابقة، ما ساعد على استكمال عمليات التحقق وجمع المعلومات والعينات.
وتنظر دول غربية إلى هذه الخطوات باعتبارها مؤشراً على استعداد دمشق لمعالجة إرث الملف النووي السابق، مع التأكيد على استمرار الرقابة الدولية وعدم الاكتفاء بالخطوات التي أُنجزت حتى الآن.


امتثال لا يعني إغلاقاً
يشير خبراء إلى أن إنهاء بند عدم الامتثال يمثل انتقالاً من مرحلة سياسية وقانونية شديدة الحساسية إلى مرحلة مختلفة عنوانها الالتزام المستمر.
وبحسب هذا التقييم، فإن التحدي أمام سوريا يتمثل في تحويل التعاون الحالي إلى سياسة دائمة، بحيث تصبح الشفافية وإتاحة عمليات التفتيش والتحقق جزءاً ثابتاً من إدارة الملف النووي، وليس استجابة مؤقتة لقرار دولي.
كما أن أي عودة مستقبلية إلى أنشطة نووية مدنية ستبقى مرتبطة بالالتزامات الدولية وقواعد عدم الانتشار والضمانات النووية.


المفاعل البحثي
من بين الملفات المطروحة مستقبلًا إعادة النظر في وضع المفاعل البحثي السوري المعروف باسم «منسر»، ولا سيما ما يتعلق بنوع الوقود المستخدم فيه.
ويرى خبراء أن الانتقال من الوقود عالي التخصيب إلى وقود منخفض التخصيب يمكن أن يحمل دلالة سياسية وفنية مهمة، باعتباره ينسجم بصورة أكبر مع الاستخدامات البحثية والمدنية ويقلل من مستويات الحساسية المرتبطة بالمواد النووية.
لكن هذه الخطوة، وفق التقييمات المطروحة، لا تكفي وحدها لإنهاء جميع المخاوف، إذ تبقى معالجة إرث المنشآت والمواد غير المعلنة والتعاون الكامل مع الوكالة عوامل أساسية في بناء الثقة.


طموح سلمي
يطرح خبراء في الطاقة النووية تصوراً مستقبلياً لإعادة بناء القطاع النووي السوري على أسس مدنية، يبدأ بتطوير المفاعلات البحثية وتأهيل البنية التحتية والكوادر العلمية، قبل التفكير في مشروعات أكبر لإنتاج الكهرباء.
وتواجه هذه الرؤية تحديات كبيرة، أبرزها حالة شبكة الكهرباء والبنية التحتية، وكلفة إنشاء المفاعلات الكبيرة، والحاجة إلى استعادة الكفاءات العلمية التي تضررت خلال سنوات الحرب.
وبناء على ذلك، تبرز مقترحات بالتركيز أولاً على برامج بحثية ومفاعلات صغيرة وتقنيات مدنية، قبل الانتقال إلى مشروعات توليد نووي واسعة النطاق.


ثروة تحتاج إدارة
أما المواد النووية الموجودة في سوريا، فيرى خبراء ضرورة التعامل معها وفق معايير صارمة للسلامة والأمن النوويين وتحت الرقابة الدولية، إلى حين تحديد أفضل الخيارات بشأن استخدامها أو نقلها أو معالجتها.
وتبقى إدارة هذه المواد من أكثر الملفات حساسية، نظراً إلى طبيعتها وضرورة منع أي تسرب أو استخدام غير معلن لها، فضلاً عن الحاجة إلى توثيق دقيق لكمياتها ومواقعها وحالتها.


كوادر للمستقبل
لا يقتصر التحدي على المنشآت والمواد، إذ يمثل نقص الكوادر المتخصصة أحد أبرز العوائق أمام أي برنامج نووي مدني طويل الأمد.
ويطرح مختصون إعادة بناء منظومة التعليم والتدريب النووي، وتأهيل المهندسين والباحثين والفنيين، باعتبارها خطوة أساسية إذا أرادت سوريا تطوير استخدامات نووية سلمية في الطب والزراعة والبحث العلمي والطاقة. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 10