لماذا انهزم حزب الله؟

كتب زين شقير لوكالة أنباء آسيا

2026.09.14 - 06:16
Facebook Share
طباعة

 قبل أن نتحدث عما هزم أقوى قوة صاروخية في الشرق، لا بد من القول إن هزيمة الحزب لا تعني هزيمة الشعب اللبناني، بل ربما تكون الفرصة التاريخية لبناء جيش لبناني عظيم ودولة لبنانية منيعة، لا تحكمها الطائفية والمذاهب، ولا تتأثر بضحكة سفير أميركي، ولا بعبسة سفير سعودي، ولا بغضب سفير إيراني.

جيش ودولة وشعب يقاتلون ويقاومون لأن هذا واجب الدولة قبل أي حزب.

لذا، أخطر من هزيمة الحزب هو غياب روح المقاومة لدى الدولة واستسلامها للموازين التي تجعلها تعتقد أن تقديم التنازلات لإسرائيل سيحرر الأرض.

لهذا، لم يبقَ سوى الأمل بالشعب اللبناني كي ينهض ويبني مقاومة شعبية غير منظمة وفوضوية تُخرج إسرائيل من لبنان بالقوة. وإلا فإن الهزيمة الحزبية ستتحول إلى خسارة تاريخية للأرض والكيان.

 

لماذا انهزم حزب الله؟

كل عوامل القوة تميل لمصلحة إسرائيل، التي يمكنها عسكريًا اجتياح كل الشرق من فلسطين حتى باب المندب وشط العرب، ويمكن للجيش الإسرائيلي أن يهزم جيوش سوريا والأردن والعراق والسعودية وتركيا، اعتمادًا على سلاح الطيران والمدرعات والتكنولوجيا العسكرية والاستخبارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

كان الأمر كذلك عام 1947، وبقي كذلك حتى عام 2006.

ما جعل الحزب يصمد كانت خسائر إسرائيل البشرية وعبثية سيطرتها على لبنان، حيث صار ثمن البقاء أعلى من ثمن الانسحاب، فانسحبت عام 2000. ثم في عام 2006، لو لم تتكبد خسائر واسعة لبقيت واحتلت واستوطنت.

ما أخرجها هو أنفاق الحزب في مواجهة الطيران، والصواريخ التي طالت حيفا، والكورنيت الذي دمر المدرعات.

 

ماذا حصل من 2023 إلى 2026؟

دخلت أميركا بتقنيات الأقمار الصناعية، فرسمت من الجو خريطة الأنفاق تحت الأرض.

دخلت أميركا بكثافة اختراقاتها لإيران منذ عام 1978، أي قبل نجاح الثورة، وللحزب بشريًا منذ عام 1979، عبر عملاء في تشكيلات لبنانية عملت مع إيران منذ نشوء الحرس، حيث فعّلت أميركا اختراقات ثمينة جدًا لا تتحمل طول عملها وتكاليفها إلا الإمبراطوريات.

دخلت أميركا بتكنولوجيا استخباراتها العسكرية دفاعًا عن إسرائيل، وسخرت أصولها الاستخبارية والتقنية لصالحها.

المدرعات ارتاحت باختفاء الكورنيت والألماس بعدما كشفت الاختراقات الأمنية مخازنها الرئيسية.

والجيش قاتل بطريقة العصابات.

العبوات كشفتها الروبوتات، فيما ظهر إهمال الحزب لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

الحزب تفوق بالأنفاق عام 2006، فتعطلت القوة الجوية.

المستوطنون صاروا تحت رحمة الصواريخ في 2006، بينما في 2026 لم يعد هناك مخزن للصواريخ إلا وحطم الطيران الإسرائيلي مداخله.

العنصر البشري، وهو الأهم لدى الحزب، عطلته المسيّرات.

تخيل عناصر تقاتل بلا غطاء جوي ولا اتصال بعدما انكشفت وضُربت مداخل أنفاقها، وتتقدم الروبوتات لتكشف العبوات، وتطير المسيّرات الصغيرة بالعشرات بحثًا عن كمائن المقاتلين، فتكشفها، ثم يقصفها السلاح الجوي بعشرات الغارات.

النتيجة ما ترون...

الأهم:

شبكة الاتصالات الأرضية لم تعد منيعة.

والاتصالات اللاسلكية يمكن اختراقها مهما كان حجمها.

إدارة النيران وُزعت على عشرات غرف القيادة، فضُربت كلها بالطيران بعدما اخترقت إسرائيل شبكة اتصالات مشفرة حديثة عام 2026. فلم يعد من بد من وقف القتال لحل إشكالات شبكة الاتصالات، وكيفية بناء شبكة أنفاق لا تكشفها أقمار أميركا، وكيفية إطلاق مسيّرات مسلحة لا تشوش عليها إسرائيل، ولا يحتاج مشغلها إلى الجلوس فوق تلال أو مبانٍ عالية تفضحه أمام المسيّرات.

هُزم الحزب بموازين القوى لأن ما كان يعطل تفوق إسرائيل تعطّل: الأنفاق، وصواريخ مضادة للدروع، والعنصر البشري.

لكن ليس لأن إسرائيل كانت أقوى عسكريًا فقط، ولا لأن التكنولوجيا تفوقت على الرجال، ولا لأن ميزان القوى الدولي كان مختلًا أصلًا لمصلحة العدو. هذه كلها عوامل مهمة، لكنها لا تفسر وحدها حجم ما جرى.

الهزيمة بدأت من الداخل، قبل أن تظهر نتائجها في الميدان.

بدأت حين لم تتحول القيادة يومًا إلى مؤسسة حقيقية تتجدد، وتراجع نفسها، وتحاسب مسؤوليها. فالحزب، منذ نشأته وحتى اليوم، لم يعرف ثقافة المحاسبة الجدية بالمعنى الذي يسمح بسقوط مسؤول كبير بسبب فشله أو فساده، ولم يجعل تغيير القيادات وتدوير المسؤوليات قاعدة ثابتة تحمي المؤسسة من الترهل.

وبمرور السنوات، ترسخت دائرة مغلقة أصبح فيها طول الخدمة والولاء والثقة الشخصية والقرب من مركز القرار أهم، في أحيان كثيرة، من الكفاءة والقدرة على الاعتراض والتصحيح.

بعد اغتيال عماد مغنية عام 2008، دخل الحزب مرحلة مختلفة. وبحسب قراءتي لما جرى داخله، تخلى قادة الحزب تدريجيًا عن جزء كبير من الإدارة اليومية والصلاحيات التنفيذية لمصلحة دائرة ضيقة يثقون بها شخصيًا، لكنها لم تكن كفؤة مقارنة بجنرالات أميركا والأطلسي وإسرائيل الذين اجتمعوا منذ 2006 كي يخططوا لحرب الانتقام، بينما انصرف اهتمام القيادة بصورة متزايدة إلى الملف الإسرائيلي.

المشكلة لم تكن في اهتمامهم بإسرائيل؛ فهذا في صلب وظيفة حزب يعلن أن عدوه الأول هو إسرائيل. المشكلة كانت في الطريقة التي أصبحت تُصنع بها المعرفة حول إسرائيل، وفي نوعية من يرفعونها إلى القيادة.

كان يمكن بناء واحد من أهم مراكز الدراسات المتخصصة بإسرائيل في المنطقة: باحثون يجيدون العبرية، وخبراء في المجتمع الإسرائيلي والاقتصاد والجيش والتكنولوجيا والأحزاب وعلم النفس الاجتماعي والديموغرافيا والاستخبارات.

لكن ما وصل إلى القيادة، في حالات كثيرة، لم يكن بمستوى خطورة المعركة: مراكز أبحاث ضعيفة، وباحثون سفهاء قرّبهم فلان وعلان من القادة التاريخيين فتقبلتهم القيادة.

هؤلاء نرى بعضهم على الشاشات يثرثرون بتفاهات عن العلاقات الدولية ويحاضرون فيها وهم لا يفقهون منها شيئًا. هؤلاء من قدموا للقيادة تقارير تعيد تدوير ما تنشره الصحافة الإسرائيلية، بينما الفريق المسؤول داخل الأمانة العامة يتعامل مع المادة المنشورة وكأن جمع الأخبار وتحويلها إلى أوراق يعني إنتاج معرفة استراتيجية.

وهكذا وقع الحزب في واحدة من أخطر مشكلات المؤسسات المغلقة: كثرة المعلومات مع قلة المعرفة.

لكن الخطأ الأكبر كان في البشر.

لا تستطيع أن تخوض حرب اليوم بعقلية التنظيم الذي نشأ عام 1982.

رجال قاتلوا بشجاعة في البدايات واستحقوا الاحترام على تاريخهم بقوا، بعد أكثر من أربعة عقود، في صدارة المؤسسة ومراكز القرار. لم يعد السؤال: من هو الأكفأ لهذه المرحلة؟ بل: من هو الأقدم؟ من هو الأوفى؟ من نعرفه منذ أربعين سنة؟ ومن نثق بولائه؟

الوفاء فضيلة بين الأصدقاء، لكنه ليس معيارًا لإدارة مؤسسة تخوض صراعًا مع واحد من أكثر الأجهزة العسكرية والاستخبارية والتكنولوجية تطورًا في العالم.

المؤسسات التي لا تجدد نخبها تشيخ، حتى لو بقي خطابها شابًا.

ومع هذا الجمود جاءت المحسوبيات. تقدم الموالي أحيانًا على الكفوء، وأصبح القرب الشخصي والعائلي والسياسي طريقًا إلى النفوذ. وحين انتقد بعض أبناء المؤسسة هذا المسار، لم يكن النقد جسرًا إلى التصحيح؛ بل صار صاحبه، في أحيان كثيرة، هو المشكلة.

وكانت إحدى نقاط ضعف قادة الحزب، في تقديري، ثقتهم الكبيرة بمن يحبونهم ويطمئنون إليهم شخصيًا. اقترب منهم أقارب وأصدقاء وأشخاص حازوا ثقتهم، بينما وجد منتقدو بعض هؤلاء أنفسهم أبعد عن دائرة التأثير.

وهنا تتحول فضيلة الوفاء الشخصي إلى مشكلة في الحكم.

القائد لا يحتاج فقط إلى أشخاص يحبونه ويخلصون له. يحتاج أكثر إلى أشخاص يستطيعون أن يقولوا له: أنت مخطئ، وقريبك مخطئ، وصديقك فشل، وهذا المسؤول يجب أن يرحل.

ثم يأتي الفساد، وهنا نصل إلى واحدة من أخطر علل التجربة كلها.

المشكلة ليست أن المحاسبة ضعفت في مرحلة معينة. المشكلة، في قراءتي، أن ثقافة المحاسبة الجدية لم تُبنَ أصلًا بالشكل الذي يجعل المسؤول يعرف أن الفساد أو الفشل يمكن أن يطيح به مهما كان اسمه وتاريخه وقربه من القيادة.

الفساد لا يهزم المقاومة لأنه يسرق المال فقط. يهزمها لأنه يدمر العدالة الداخلية.

عندما يرى المقاتل أو الموظف أو المسؤول النزيه شخصًا آخر يراكم المال والنفوذ مستفيدًا من قربه من الحزب، ثم لا يُحاسب، لا تكون النتيجة المالية هي الأخطر.

الأخطر هو السؤال الذي يولد في داخله:

لماذا هو؟

ومع سنوات من غياب المحاسبة، نشأت حول الحزب طبقة برجوازية من أصحاب الأموال والمصالح والنفوذ. أشخاص أصبح لديهم ما يخافون عليه: شركات، وعقارات، وحسابات، وشبكات مصالح، ومستقبل اجتماعي مختلف تمامًا عن مستقبل المقاتل أو ابن القرية الذي ما زال يدفع ثمن الحرب.

وهنا بدأ التحول الأخطر.

الحزب الذي تأسس على رجال مستعدين لخسارة كل شيء وجد داخل بيئته التنظيمية طبقة تخشى خسارة ما راكمته.

والمال عندما يدخل إلى التنظيم بلا محاسبة لا يخلق الفساد فقط؛ يخلق الغيرة والحقد والشعور بالظلم.

وهذه النقطة تحديدًا تستحق التحقيق الجدي في ملف الاختراقات التي أصابت الحزب. لا يجوز القفز من وجود الغضب أو الغيرة إلى اتهام أشخاص بالخيانة من دون دليل. لكن من المشروع طرح السؤال: هل صنعت المحسوبيات والفساد وغياب العدالة الداخلية بيئة أصبح فيها بعض الساخطين أكثر قابلية للاختراق أو الانتقام من المؤسسة التي شعروا أنها ظلمتهم؟

الاستخبارات تبحث عن نقاط الضعف البشرية قبل أن تبحث عن الأسرار.

المال، والإهانة، والغيرة، والانتقام، والشعور بالتهميش، والطموح الشخصي، كلها أبواب معروفة للاختراق.

فإذا كان مسؤول فاسد يسرق ولا يُحاسب، بينما رجل آخر يشعر بأنه خدم سنوات ثم أُهين أو أُبعد لأنه اعترض على الفساد، فأنت لا تكون قد صنعت فاسدًا واحدًا فقط.

ربما تكون قد صنعت خصمين: الفاسد الذي أصبح أسير أمواله، والمظلوم الذي أصبح أسير غضبه.

ومن هنا أفهم جانبًا من الكارثة التي أصابت الحزب.

لم تكن إسرائيل بحاجة إلى أن تكون عبقرية في كل شيء. كان يكفي أن تجد أمامها مؤسسة تراكمت داخلها أخطاء بشرية وتنظيمية على مدى عقود، ثم تبحث عن الشقوق وتدخل منها.

ولهذا فإن اختزال ما حدث بعبارة «اختراق استخباري إسرائيلي» يريح الجميع، لكنه يمنع طرح السؤال الحقيقي:

من صنع البيئة التي سمحت بهذا الاختراق؟

المسؤولية تبدأ من القيادة.

من عدم تدوير المسؤولين.

من تقديم الولاء على الكفاءة.

من غياب المحاسبة الجدية.

من التساهل مع الفساد.

من حماية بعض المقربين.

من إبعاد أو تهميش من ينتقدونهم.

من تحويل الثقة الشخصية إلى معيار سياسي وتنظيمي.

ومن الاعتقاد أن تاريخ الرجل في المقاومة يمنحه صلاحية مفتوحة لإدارة المستقبل.

هذه، في رأيي، هي بداية تفسير الهزيمة.

إسرائيل استغلت الأخطاء، لكنها لم تصنعها كلها.

الحزب صنع جزءًا كبيرًا منها بنفسه.

والمأساة أن رجالًا قاتلوا إسرائيل عندما لم يكن لديهم شيء تقريبًا يخسرونه، بنوا خلال أكثر من أربعين عامًا مؤسسة ضخمة، ثم سمحوا بأن تنشأ داخلها طبقة لديها الكثير جدًا مما تخشى خسارته.

وهكذا تغير السؤال داخل بعض الدوائر من: كيف نحمي المقاومة؟

إلى: كيف نحمي ما أصبح لدينا؟

وعندما يصل تنظيم مقاوم إلى هذه النقطة، تكون الهزيمة قد بدأت قبل أن تسقط أول قنبلة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 3

اقرأ أيضاً