اجتماع عُمان المرتقب يكشف حدود التفاهم حول هرمز

2026.09.13 - 20:47
Facebook Share
طباعة

 تتجه الأنظار إلى مدينة صلالة العُمانية، مع ترقب اجتماع إقليمي يفترض أن يجمع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق لبحث مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، في لقاء يأتي وسط واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً التي شهدها الممر البحري خلال السنوات الأخيرة.

 

وإذا انعقد الاجتماع وفق الطرح الإيراني، فإنه لن يكون مجرد لقاء لبحث أمن الملاحة، بل اختباراً سياسياً لتفاهمات بدأت تتشكل بصورة ثنائية بين طهران ومسقط، قبل أن تنتقل إلى طاولة أوسع تضم الدول الخليجية الأكثر ارتباطاً بحركة السفن والطاقة عبر المضيق.

 

تفاهم إيراني عُماني أمام اختبار إقليمي

اللافت في الاجتماع المرتقب أن المبادرة لا تنطلق من صيغة جماعية مكتملة، بل تأتي بعد أسابيع من اتصالات مكثفة بين إيران وسلطنة عُمان حول إيجاد ترتيبات مرحلية تسمح بإدارة حركة السفن في ظل استمرار الخلافات بشأن إعادة فتح المضيق بصورة كاملة.

 

وتتحدث التصريحات الإيرانية عن تصور يتضمن إنشاء مسار ملاحي مؤقت، تدخل عبره السفن من جهة المياه الإقليمية الإيرانية وتخرج بصورة رئيسية عبر المياه العُمانية، ضمن آلية جديدة لتنظيم حركة العبور.

 

وبحسب ما أعلنته طهران، فإن هذه الترتيبات ستُعرض على دول المنطقة، مع تقديم الخرائط والتفاصيل الفنية المتعلقة بمسارات الملاحة، في محاولة للحصول على ملاحظات الدول الخليجية وربما تحويل التفاهم الثنائي إلى إطار إقليمي أوسع.

 

لكن أهمية الخطوة لا تكمن فقط في المسار البحري المقترح، بل في الجهة التي ستملك دوراً أكبر في إدارة حركة الملاحة، وهي نقطة يمكن أن تتحول إلى مصدر خلاف إذا رأت بعض دول الخليج أن الترتيبات الجديدة تمنح إيران نفوذاً إضافياً على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.

اقرأ أيضاً: تصعيد جديد في هرمز.. قتيل و3 جرحى باستهداف سفينة إيرانية

 

غياب الإجماع الخليجي يفرض أسئلة مبكرة

رغم الحديث الإيراني عن مشاركة دول مجلس التعاون الست إلى جانب إيران والعراق، فإن صورة الحضور لم تكن مكتملة حتى إعداد التقرير.

ففي حين لم تعلن بعض الدول الخليجية رسمياً مستوى مشاركتها، كانت البحرين الدولة الوحيدة التي أعلنت صراحة عدم حضورها، مشترطة عودة العلاقات الدبلوماسية مع طهران قبل المشاركة في اجتماع جماعي معها.

 

ويكشف الموقف البحريني أن الخلاف لا يتعلق بالتفاصيل الفنية للملاحة فقط، وإنما يمتد إلى طبيعة العلاقة السياسية والأمنية مع إيران، خصوصاً بعد التوترات التي شهدتها المنطقة خلال الحرب الأخيرة.

 

أما السعودية، فأكدت على لسان وزير خارجيتها أن أمن الخليج يجب أن يقوم على احترام سيادة دول المنطقة وعدم التدخل في شؤونها، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة ضمان حرية الملاحة وسلامة السفن التجارية.

 

وتحمل هذه المواقف دلالة واضحة: دول الخليج قد تكون معنية بإيجاد مخرج لأزمة هرمز، لكنها لا تبدو مستعدة بالضرورة لمنح طهران تفويضاً منفرداً أو قبول ترتيبات لا تكون جزءاً منها.

اقرأ أيضاً: بغداد تستأنف حركة المعابر مع إيران تدريجياً

 

لماذا تتمسك طهران بالمسار الجديد؟

من الجانب الإيراني، يُقدَّم الاجتماع باعتباره خطوة لإثبات إمكانية معالجة أمن الخليج عبر دول المنطقة، بعيداً عن القوى العسكرية الخارجية.

 

وتقول طهران إن وجود قواعد وقوات أجنبية في بعض دول المنطقة كان جزءاً من العمليات التي استهدفت إيران خلال الحرب، ولذلك فإن رؤيتها لأمن الخليج تقوم على تقليص الدور الخارجي وإبقاء إدارة الممرات البحرية في الإطار الإقليمي.

 

لكن طهران تضع في الوقت نفسه شروطاً سياسية أمام إعادة فتح المضيق بصورة كاملة، إذ يربط وزير خارجيتها المسألة بعودة الولايات المتحدة إلى التزاماتها بموجب مذكرة تفاهم إسلام آباد، ما يعني أن المسار الملاحي المؤقت لا يمثل، وفق الرواية الإيرانية، تسوية نهائية لأزمة هرمز.

 

ومن هنا يبدو اجتماع صلالة أقرب إلى محاولة فصل ملف الملاحة عن الملفات السياسية الأكثر تعقيداً، عبر إيجاد صيغة مؤقتة تسمح بتخفيف الاختناق البحري دون حسم النزاع الأكبر بين إيران والولايات المتحدة.

 

اتفاق أم منصة تفاوض؟

رغم الحديث عن احتمال اعتماد الترتيبات الجديدة، فإن المعطيات المتداولة لا تشير بالضرورة إلى توقيع اتفاق نهائي في صلالة.

 

فبالتوازي مع تصريحات إيرانية تحدثت عن إمكانية الوصول إلى تفاهم جديد، نقلت تقارير عن مسؤول إيراني رفيع أن الاجتماع سيُستخدم بصورة أساسية لعرض ما توصلت إليه طهران ومسقط، ومناقشته مع دول المنطقة، دون توقع توقيع اتفاق نهائي بشأن المضيق.

 

وهذا السيناريو يبدو منطقياً في ضوء حجم الملفات العالقة. فتنظيم مسارات مؤقتة للسفن يمكن أن يكون إجراءً فنياً سريعاً نسبياً، بينما تحويله إلى نظام دائم يتطلب توافقاً سياسياً وقانونياً بين الدول المطلة على الخليج، فضلاً عن معالجة الخلافات المتعلقة بالمرور والرسوم وآليات الرقابة والجهة المخولة بإدارة الحركة.

 

واشنطن تراقب من خارج الطاولة

في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام مسار يجري من دون أن تكون طرفاً مباشراً فيه. وقد اختصر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب موقفه بالقول إن لقاء دول الخليج مع إيران شأن يعود إليها.

 

لكن الترتيبات المقترحة قد تثير تحفظات أمريكية إذا انتهت إلى منح إيران دوراً أكبر في التحكم بالملاحة أو إلى فرض رسوم مرتبطة بحركة السفن.

 

وتزداد حساسية الملف بسبب موقع هرمز في تجارة الطاقة العالمية، إذ إن أي صيغة جديدة لا تنعكس فقط على أمن الخليج، بل على حركة النفط والغاز والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد الدولية.

 

هرمز بين الضرورة الاقتصادية والصراع السياسي

بدأت الأزمة الحالية في 28 شباط 2026، مع اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران، وما تبعها من إغلاق طهران مضيق هرمز وتصاعد الضغوط على حركة الملاحة.

 

وبعد مذكرة تفاهم إسلام آباد الموقعة في حزيران، ظهرت محاولات لإعادة فتح الممر، إلا أن الخلافات حول آليات التنفيذ وقواعد العبور أبقت الملف عالقاً.

 

ومن هنا، فإن اجتماع صلالة لا يختبر فقط قدرة إيران ودول الخليج على التوصل إلى صيغة للملاحة، بل يختبر أيضاً ما إذا كانت المنطقة قادرة على إدارة أحد أهم ممراتها البحرية بعيداً عن منطق التصعيد العسكري الذي دفع هرمز إلى واجهة الأزمة الدولية.

 

وفي حال نجحت مسقط في تحويل التفاهم الإيراني العُماني إلى أرضية مقبولة إقليمياً، فقد يشكل ذلك بداية لمسار جديد. أما إذا اصطدمت الترتيبات بالخلافات السياسية والقانونية، فقد يبقى المضيق ورقة ضغط مفتوحة، تتجاوز كلفتها حدود الخليج لتطال الاقتصاد العالمي بأكمله.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 4