غضب يتجاوز الوقود
دخل قرار رفع أسعار المشتقات النفطية في سوريا حيز التنفيذ، الأحد، وسط احتجاجات وقطع للطرقات في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وحلب، في مؤشر على اتساع التداعيات الاجتماعية لقرار جاء في توقيت حساس، مع ارتفاع تكاليف المعيشة واقتراب فصل الشتاء.
ورفعت التسعيرة الجديدة سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، بزيادة تقارب 40%، بينما ارتفع بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة، وأوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة. كما ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة، والغاز الصناعي من 2350 إلى نحو 2570 ليرة.
لكن التأثير لم يتوقف عند محطات الوقود، إذ بدأت أجور النقل بالارتفاع في بعض المناطق، وسط مخاوف من انتقال الزيادة تدريجياً إلى أسعار الغذاء والخدمات والتدفئة.
اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 12-9-2026
احتجاجات واسعة
شهدت مناطق في الحسكة والرقة ودير الزور وشمال حلب تحركات احتجاجية رفضاً لرفع الأسعار.
وفي ريف الحسكة الجنوبي، شهدت مركدة إشعال إطارات وقطع الطريق الرئيسي بين الحسكة ودير الزور، فيما امتدت التحركات إلى طرق أخرى، بينها طريق الحسكة ـ دير الزور، وطرق تمر منها صهاريج النفط في منطقة الـ47 قرب الشدادي.
وفي ريف الرقة، قطع محتجون الطريق الدولي قرب حويجة شنان، ومنعوا مرور صهاريج تنقل النفط الخام، بينما شهدت الكرامة تحركاً مماثلاً.
أما في ريف دير الزور، فسجلت احتجاجات وقطع للطرقات في الطيانة والحريجية ومناطق أخرى، في حين شهدت مدينة أعزاز شمالي حلب تحركات احتجاجية ضد القرار.
وترافقت هذه التحركات مع دعوات إلى وقفات احتجاجية في مناطق أخرى، وسط مطالب بالتراجع عن الزيادة أو اعتماد آلية تسعير تراعي القدرة الشرائية للسكان.
اقرأ أيضاً: قفزة حادة في أسعار المحروقات بسوريا مع اقتراب الشتاء
النفط في قلب الأزمة
يكشف منع صهاريج النفط عن بُعد آخر للاحتجاجات، يتجاوز ارتفاع السعر الذي يدفعه المستهلك.
فالنفط يمثل مورداً اقتصادياً رئيسياً في مناطق شمال وشرق سوريا، بينما تعتمد بقية المناطق على تدفق الخام والمشتقات لتلبية جزء من احتياجاتها.
وتقول البيانات الرسمية إن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 100 ألف برميل يومياً، مقابل احتياجات تتراوح بين 300 و325 ألف برميل، ما يترك فجوة كبيرة يتعين سدها عبر مصادر أخرى.
وهذه الفجوة تجعل أي اضطراب في حركة النفط الخام أو المشتقات قابلاً للتحول سريعاً إلى أزمة في الإمدادات والأسعار، خصوصاً عندما تتزامن مع ارتفاع كلفة الاستيراد.
لماذا رفعت الحكومة الأسعار؟
تبرر الحكومة السورية القرار بارتفاع استثنائي في تكلفة تأمين المشتقات النفطية من الأسواق العالمية، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في عملية صيانة شاملة تستمر نحو شهرين.
وتؤدي أعمال التأهيل إلى زيادة الحاجة المؤقتة لاستيراد المنتجات النفطية الجاهزة، بدلاً من الاعتماد على جزء من القدرة المحلية على التكرير، ما يرفع الضغط على تكلفة تأمين الوقود.
وتقول وزارة الطاقة السورية إن تعديل الأسعار يهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات وتوفير المشتقات في السوق، في وقت تتأثر فيه كلفة البنزين والمازوت والفيول بالتغيرات العالمية في أسعار الطاقة والنقل والتأمين.
كما شكلت الحكومة لجنة دائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، على أن تعتمد في مراجعاتها على مؤشرات محلية ودولية.
فجوة يصعب إخفاؤها
تكمن المشكلة الأساسية في أن سوريا لا تزال تواجه فجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي وحجم الاستهلاك.
فحتى مع استعادة مصفاة بانياس قدرتها التكريرية، لن تكفي الطاقة الجديدة وحدها لتغطية كامل احتياجات السوق. كما أن زيادة التكرير تحتاج إلى توافر الخام بالكميات والمواصفات المناسبة، ما يجعل معالجة أزمة الوقود مرتبطة بسلسلة إنتاج ونقل وتكرير واستيراد متكاملة.
وبالتالي، فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية أو تعطل في التوريد أو انخفاض في الإنتاج المحلي يمكن أن ينعكس مباشرة على السوق السورية.
من الوقود إلى المعيشة
القلق الأكبر لدى السكان لا يرتبط بسعر ليتر البنزين أو المازوت وحده، وإنما بما يمكن أن يترتب عليه من موجة ارتفاعات متتالية.
فالوقود يدخل في تكلفة النقل والإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات، كما يرتبط بالتدفئة وتشغيل الآليات والمولدات. وكل زيادة في كلفة الطاقة يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات.
وتزداد حساسية هذه التداعيات مع اقتراب الشتاء، عندما يرتفع الطلب على المازوت والغاز، ما يجعل قدرة الحكومة على تأمين الإمدادات بأسعار يمكن للسكان تحملها اختباراً اقتصادياً واجتماعياً في آن واحد.
اختبار صعب
تكشف احتجاجات المحافظات الأربع أن قرار رفع الأسعار لم يعد قضية مالية أو إدارية تخص قطاع الطاقة فقط، بل تحول إلى ملف يمس حركة النقل والإنتاج والدخل اليومي للسكان.
وفي المقابل، تواجه الحكومة معادلة صعبة بين ارتفاع كلفة الاستيراد والحاجة إلى ضمان استمرار الإمدادات من جهة، والقدرة الشرائية للمواطنين وتداعيات الأسعار من جهة أخرى.