مشروع فوق الذاكرة
تستعد دمشق لإعادة تطوير مطار المزة العسكري وتحويله إلى مركز للطيران الخاص، في خطوة اقتصادية تفتح في الوقت نفسه ملفاً شديد الحساسية يتعلق بتاريخ الموقع خلال عهد النظام السابق، وسط تحذيرات حقوقية من أن تؤدي أعمال الحفر وإزالة الأنقاض إلى إتلاف أدلة قد تساعد في الكشف عن مصير معتقلين يُعتقد أنهم قضوا داخل المطار أو دُفنوا في محيطه.
وتتزامن خطط التطوير مع وثائق مسربة تتعلق بعمل أجهزة الأمن سابقاً، تشير إلى استخدام المطار موقعاً سرياً لتنفيذ أحكام إعدام بحق معتقلين صدرت بحقهم أحكام من محاكم ميدانية عسكرية.
اقرأ أيضاً: سليمان الأسد أمام تطور قضائي جديد بين دمشق وبيروت
موقع أمني مغلق
كان مطار المزة يضم منشآت رئيسية تابعة لـ المخابرات الجوية السورية، إلى جانب مرافق احتجاز ارتبطت، وفق شهادات وتحقيقات حقوقية، بعمليات تعذيب واختفاء قسري وإعدام في عهد نظام بشار الأسد.
وتشير وثائق حصلت عليها جهة حقوقية متخصصة في توثيق الانتهاكات في سوريا إلى أن مسؤولين بحثوا نقل تنفيذ أحكام الإعدام من سجن صيدنايا إلى المطار، باعتباره مجمعاً أمنياً مغلقاً وقريباً من العاصمة.
كما تضمنت المراسلات مقترحات لاستخدام ميدان للرماية، ثم حظيرة طائرات مجاورة للمدرج، لتنفيذ عمليات الإعدام، مع تعليمات بتوفير أعلى درجات السرية.
اقرأ أيضاً: قفزة حادة في أسعار المحروقات بسوريا مع اقتراب الشتاء
أدلة تحت الأرض
الأكثر حساسية في ملف المطار يتمثل في مواقع يُشتبه بأنها مقابر جماعية، فقد حدد تحقيق حقوقي موقعين داخل المطار يُعتقد بارتباطهما بأشخاص توفوا خلال الاحتجاز، فيما تشير تقديرات الجهة التي أجرت التحقيق إلى وفاة أكثر من 1150 معتقلاً في الموقع، بعضهم نتيجة الإعدام وآخرون بسبب التعذيب أو سوء المعاملة.
وفي يوليو/تموز 2025، أُرسلت إحداثيات الموقعين إلى الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، مع مطالبة بوقف أي أعمال بناء أو حفر إلى حين استكمال التحقيقات.
اقرأ أيضاً: الوجود الروسي في سوريا يدخل مرحلة إعادة تموضع جديدة
تحذيرات من التطوير
مع ظهور خطط إعادة تطوير المطار مجدداً، وُجه تحذير جديد في 8 سبتمبر/أيلول من أن أعمال الحفر أو إزالة الأنقاض يمكن أن تلحق أضراراً بالرفات البشرية والأدلة التي قد تكون ضرورية لتحديد هويات الضحايا.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل استمرار البحث عن آلاف المفقودين والمختفين قسراً، ومحاولات توثيق مصير المعتقلين الذين فقدت عائلاتهم الاتصال بهم خلال سنوات الحرب.
ذاكرة الحرب
لم يكن المطار منشأة جوية فقط خلال سنوات الحرب، بل تحول إلى مركز أمني وعسكري رئيسي، وارتبط بعمليات عسكرية في مناطق محيطة بدمشق، إلى جانب استخدام أجزاء منه كمراكز احتجاز.
وتشير المعلومات الواردة في التحقيقات إلى وجود مرافق احتجاز تابعة للمخابرات الجوية ومستودعات مرتبطة بتخزين مخدر الكبتاغون، ما يعكس تعدد الأدوار التي لعبها الموقع خلال تلك المرحلة.
أرض متنازع عليها
لا يتوقف ملف المزة عند الجانب الأمني، إذ تكشف سجلات عقارية أن مساحة المطار، التي تبلغ نحو 2.76 كيلومتر مربع، أقيمت على أراض تعود ملكيتها إلى مئات المواطنين.
وبحسب شهادات مسؤولين محليين سابقين، جرى استخدام إجراءات استملاك بأثر رجعي لتبرير وضع اليد على الأراضي عند إنشاء المطار عام 1956، فيما يقول أصحاب الحقوق إنهم لم يحصلوا على تعويضات.
وبعد الإعلان عن خطط التطوير، نظم سكان من المعضمية احتجاجات للمطالبة بإشراكهم في أي ترتيبات استثمارية تتعلق بالأراضي التي يقولون إن ملكيتها موثقة.
اختبار للعدالة
يأتي ملف مطار المزة في وقت تواجه فيه سوريا استحقاقاً أوسع يتعلق بمعالجة إرث مصادرة الممتلكات خلال عهد النظام السابق، وإعادة الحقوق إلى أصحابها أو تعويضهم.
كما يفرض الموقع تحدياً آخر يتعلق بكيفية الموازنة بين إعادة استخدام المنشآت وتطويرها اقتصادياً، وبين حماية مواقع يُحتمل أن تحتوي على رفات بشرية وأدلة جنائية يمكن أن تكون حاسمة في كشف مصير المفقودين وتحديد المسؤوليات.