بلدية الاحتلال تدفع مقدسياً لهدم محاله بيده

2026.09.12 - 18:40
Facebook Share
طباعة

 لم يكن هدم خمسة محال ومنشآت تجارية في المنطقة الصناعية ببلدة وادي الجوز في القدس المحتلة قراراً اتخذه صاحبها بمحض إرادته، بحسب الرواية الفلسطينية، بل جاء بعد سنوات من الغرامات والتهديد بهدم المنشآت وفرض تكاليف إضافية، لتتحول إجراءات الترخيص إلى ضغط انتهى بإجبار مالكها على إزالة مصدر رزقه بنفسه.

وقالت محافظة القدس إن بلدية الاحتلال الإسرائيلي أجبرت المقدسي أدهم طبش على هدم منشآته ذاتياً، بعدما أبلغته بإمكانية فرض غرامات مالية مرتفعة في حال تولت البلدية عملية الهدم.

وتضم المنشآت الخمس منجرة ومكتباً للسياحة والسفر ومحلاً لإصلاح الدراجات النارية وفرناً ومنشأة تجارية أخرى، وكانت تشكل مصدر دخل لعشرات العاملين وأسرهم، وفق المحافظة.

 

تكلفة تتجاوز الهدم نفسه

لم تبدأ المشكلة مع قرار الهدم الأخير، إذ تقول محافظة القدس إن المنشآت قائمة منذ عشرات السنوات، وإن طبش دفع خلال الأعوام الماضية غرامات قاربت 300 ألف شيكل، أي نحو 100 ألف دولار، على خلفية مخالفات البناء وعدم استيفاء شروط الترخيص.

لكن دفع هذه المبالغ لم ينتهِ بإغلاق الملف، إذ تلقى صاحب المنشآت، بحسب المحافظة، تهديدات بفرض عشرات آلاف الشواكل الإضافية إذا لم ينفذ الهدم بنفسه، بحيث تصبح كلفة الإزالة التي يتحملها صاحب المكان أقل من كلفة الهدم الذي قد تنفذه البلدية.

وهذه الصيغة تضع أصحاب المنشآت أمام معادلة مالية قاسية: إما تنفيذ الهدم بأيديهم، أو تحمل كلفة إضافية إذا نفذته السلطات، مع استمرار فقدان النشاط التجاري في الحالتين.

وبذلك، يصبح ما يسمى «الهدم الذاتي» إجراءً يبدو اختيارياً من الناحية الشكلية، لكنه يجري في ظل ضغوط مالية وقانونية تجعل هامش الاختيار محدوداً للغاية، بحسب المعطيات الفلسطينية.

 

وادي الجوز أمام ضغط متزايد

وتكتسب القضية أهميتها من موقع وادي الجوز، الذي يعد من المناطق التجارية والصناعية المعروفة في القدس، إلى جانب ارتباط العديد من أنشطته الاقتصادية بالورش والمحال الصغيرة التي يعتمد عليها أصحابها والعمال فيها بشكل مباشر.

وأي هدم لمنشآت من هذا النوع لا يقتصر أثره على المبنى نفسه، بل يمتد إلى النشاط التجاري المرتبط به، وإلى العاملين الذين يفقدون أماكن عملهم، وإلى العائلات التي تعتمد على هذه المداخيل.

وبحسب محافظة القدس، فإن المنشآت التي هدمها طبش كانت تشغل عشرات العمال، ما يعني أن الخسارة لا تتعلق بمالكها وحده، وإنما تمتد إلى دائرة اقتصادية محلية أوسع.

وهنا يبرز جانب أقل ظهوراً في أخبار الهدم، يتمثل في الأثر الاقتصادي المتراكم لهذه الإجراءات، خصوصاً عندما تطال الورش والمتاجر الصغيرة التي لا تملك قدرة مالية كبيرة على تحمل الغرامات أو نقل نشاطها إلى أماكن أخرى.

 

أرقام الهدم تتصاعد

وتقول محافظة القدس إن شهر آب الماضي شهد 40 عملية هدم وتجريف في المدينة، بينها 14 عملية نفذها أصحاب العقارات والمنشآت بأنفسهم تحت ضغط بلدية الاحتلال.

كما تحدثت المحافظة عن إصدار 86 إخطاراً وقراراً بالهدم خلال الشهر نفسه، في أرقام تشير إلى أن المسألة لا تتعلق بحالة منفردة، وإنما بمسار أوسع يشمل الإخطارات والغرامات والتنفيذ المباشر أو الذاتي.

ولا يعني صدور إخطار بالضرورة تنفيذ الهدم فوراً، لكن تراكم هذه القرارات يبقي أصحاب العقارات في حالة من عدم اليقين، ويجعل أي نشاط اقتصادي أو توسعة عمرانية عرضة لخطر الإغلاق أو الإزالة.

 

معركة التراخيص

تقدم السلطات الإسرائيلية عادةً قضية الأبنية غير المرخصة باعتبارها ملفاً تنظيمياً وقانونياً، إلا أن الفلسطينيين يرون أن المشكلة تتجاوز المخالفات الفردية إلى صعوبة الحصول على تراخيص بناء في القدس الشرقية، حيث تتحول إجراءات التخطيط والترخيص إلى أحد أبرز عناصر الصراع على المدينة.

وفي الحالات التي تصل إلى مرحلة الهدم، يخسر صاحب العقار ليس فقط البناء، وإنما سنوات من الاستثمار والعمل، بينما تصبح إعادة إنشاء النشاط أو الحصول على موقع بديل أكثر صعوبة.

ومن هذه الزاوية، تبدو قصة منشآت طبش جزءاً من معادلة أوسع في القدس: القيود الإدارية والمالية لا تؤدي بالضرورة إلى إزالة مبنى فحسب، بل يمكن أن تضغط على النشاط الاقتصادي نفسه، وصولاً إلى دفع أصحابه إلى الانسحاب من المكان.

 

الهدم بيد صاحبه

المفارقة الأبرز في هذه الحالة أن صاحب المنشآت هو من نفذ عملية الهدم، لكن ذلك لا يعني أن القرار كان حراً بالكامل.

فحين يوضع صاحب العقار أمام غرامة إضافية كبيرة إذا رفض تنفيذ الهدم، يصبح السؤال المطروح أوسع من مسألة «من هدم المبنى». القضية تصبح مرتبطة بالظروف التي دفعت المالك إلى استخدام يده لإزالة مصدر رزقه.

وفي القدس، حيث تتقاطع السياسة مع التخطيط والعمران والاقتصاد، يمكن لمثل هذه الحالات أن تترك أثراً يتجاوز خسارة عقار أو متجر. فإزالة المنشآت التجارية تعني أيضاً تقليص المساحات التي يمارس فيها المقدسيون نشاطهم الاقتصادي، وتهديد مصالح عائلات وعمال ارتبط دخلهم بهذه الأماكن.

وتبقى قضية طبش، وفق المعلومات الفلسطينية المتاحة، واحدة من عشرات الحالات التي واجهت قرارات هدم خلال الفترة الأخيرة، في وقت يستمر فيه الجدل حول سياسات البناء والترخيص في القدس، فيما يتحمل أصحاب المنشآت الجزء الأكبر من الكلفة المالية والاجتماعية لهذه الإجراءات.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 8

اقرأ أيضاً