عاد ملف الموقوفين في السجون اللبنانية إلى الواجهة من بوابة سجن رومية، بعدما نفذ سجناء سوريون في المبنى «ب» وقفة احتجاجية اعتراضاً على تعليق العمل بقانون العفو العام، عقب الطعن المقدم أمام المجلس الدستوري.
اقرأ أيضاً:الحسكة بين جرائم فردية ومخاوف من توتر قومي
وجاء التحرك في لحظة بدا فيها القانون، الذي انتظرته فئات واسعة من الموقوفين وأسرهم لسنوات، عالقاً بين اعتبارات دستورية وسياسية وقضائية متعارضة. ومع وقف مفعوله، وجد سجناء رومية أنفسهم أمام احتمال تأخر جديد في معالجة ملفات تراكمت داخل السجون اللبنانية، فيما لا تزال أوضاع الاحتجاز تشكل أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان.
الطعن يعيد القانون إلى نقطة الصفر
كان مجلس النواب اللبناني قد أقر في 12 آب اقتراح قانون يتضمن عفواً عاماً وتخفيضاً استثنائياً لمدة بعض العقوبات، بعد سنوات من النقاشات حول الفئات التي يفترض أن يشملها والاستثناءات الواجب اعتمادها.
اقرأ أيضاً:من احتجاجات الشوارع إلى السجن توتر يهز عين العرب
لكن القانون لم يدخل عملياً حيز التنفيذ قبل أن يطعن فيه عدد من النواب أمام المجلس الدستوري. وفي 10 أيلول، قرر المجلس وقف مفعول القانون المطعون فيه وإبلاغ قراره إلى رئاسة الجمهورية ومجلسي النواب والوزراء، ما جمّد الاستفادة من أحكامه إلى حين استكمال المسار الدستوري.
ويعني ذلك بالنسبة إلى الموقوفين أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمضمون قانون العفو، وإنما أصبحت متعلقة أيضاً بموعد حسم الطعن وما إذا كان سيعاد العمل بالقانون بصيغته الحالية أو ستفتح الباب أمام تعديل بنوده.
احتجاج داخل رومية
في اليوم التالي لقرار المجلس الدستوري، نظم سجناء سوريون في رومية وقفة احتجاجية عقب صلاة جماعية، رافعين لافتات تطالب بعدم تعطيل القانون، وموجهين رسائل إلى الرؤساء والمسؤولين اللبنانيين بشأن مستقبل ملفاتهم.
وأظهرت الهتافات واللافتات أن الاحتجاج لم يكن قانونياً صرفاً، بل حمل بعداً سياسياً وإنسانياً، إذ اعتبر المشاركون أن تعليق القانون يمدد معاناتهم ويؤجل البت في أوضاع أشخاص يقولون إن قسماً منهم بقي لسنوات من دون حسم قضائي نهائي.
وتركز جزء من الشعارات على تحميل النائب جبران باسيل مسؤولية الطعن، فيما قدم باسيل موقفه باعتباره مرتبطاً بضمان العدالة وعدم شمول القانون أشخاصاً ارتكبوا جرائم خطيرة، معتبراً أن الصيغة المطروحة تحتاج إلى تصحيح واستهداف أكثر دقة للفئات التي يرى أنها تستحق الإفراج.
وهنا يظهر جوهر الخلاف: هل يكون العفو معالجة واسعة لأزمة مزمنة داخل السجون، أم قانوناً محدد الفئات يستثني الجرائم التي يرى معارضوه أنها لا ينبغي أن تدخل ضمن أي تسوية تشريعية؟
السوريون في قلب الملف
تكتسب القضية بعداً إضافياً بالنسبة إلى السجناء السوريين، إذ يضم رومية عدداً كبيراً منهم، وبينهم موقوفون على خلفيات مختلفة، تتداخل فيها قضايا جنائية مع ملفات مرتبطة بأحداث الحرب السورية وما رافقها من توقيفات أمنية وقضايا ذات طابع سياسي.
وفي مثل هذه الحالات، لا تتساوى أوضاع جميع الموقوفين، ما يجعل أي قانون عفو عاماً موضع اختبار دقيق عند تحديد المستفيدين منه، ولا سيما في ظل عدم انتهاء عدد من الملفات أمام القضاء.
وبالتالي، فإن اعتراض السجناء لا ينصب فقط على قرار دستوري بتعليق القانون، وإنما على احتمال استمرار الانتظار في ملفات يعتبرون أن بعضها طال أكثر من اللازم، وسط نظام قضائي وسجني يعاني أصلاً من ضغط كبير.
أزمة تتجاوز قانون العفو
المشكلة التي يواجهها رومية ليست وليدة الطعن الأخير. فالسجن، الذي يعد الأكبر في لبنان، يعاني منذ سنوات من اكتظاظ يتجاوز طاقته الاستيعابية بصورة كبيرة، ما ينعكس على الخدمات الصحية والغذائية وظروف الاحتجاز.
وقد سبق أن شهد السجن تحركات وإضرابات احتجاجاً على أوضاع النزلاء، كما أثارت ظروف الاحتجاز وانتشار الأمراض ونقص الرعاية انتقادات من جهات حقوقية دولية.
ولهذا، فإن إعادة تجميد قانون العفو تعني عملياً استمرار الضغط على السجون، ما لم تترافق مع إجراءات أخرى، مثل تسريع المحاكمات، وتقليص فترات التوقيف الاحتياطي، ومراجعة الملفات التي طال انتظار البت فيها.
وهنا تتحول قضية العفو من خلاف تشريعي إلى جزء من أزمة أكبر تتعلق بكفاءة العدالة الجنائية وقدرة الدولة اللبنانية على إدارة ملف الاحتجاز.
اختبار سياسي وقضائي
الجدل الحالي يكشف أيضاً صعوبة الوصول إلى صيغة ترضي مختلف الأطراف اللبنانية. فالمؤيدون للعفو يرونه وسيلة لمعالجة تراكمات إنسانية وقضائية وأمنية، بينما يخشى معارضوه أن يؤدي التوسع فيه إلى الإفراج عن أشخاص في قضايا خطيرة أو إلى تجاوز حقوق الضحايا.
لكن استمرار الخلاف من دون معالجة البدائل يترك الموقوفين في موقع الانتظار المفتوح، وهو ما قد يزيد الاحتقان داخل السجون ويضاعف الضغط على القضاء والإدارة اللبنانية معاً.
وبالنسبة إلى السجناء السوريين تحديداً، تبدو المسألة أكثر تعقيداً، لأن انتهاء الاحتجاز لا يرتبط دائماً بالعفو وحده، بل قد يحتاج في بعض الحالات إلى قرارات قضائية أو إجراءات أخرى تتصل بوضع كل موقوف.
وعليه، فإن ما جرى في رومية لا يبدو مجرد احتجاج على قانون معلّق، بل رسالة إلى الدولة اللبنانية بأن ملف السجون لم يعد يحتمل مزيداً من التأجيل. فكل يوم إضافي من الانتظار يعني بقاء آلاف الملفات معلقة، بينما يبقى الحل الحقيقي مرهوناً بقدرة المؤسسات اللبنانية على الجمع بين
مقتضيات العدالة وضرورات المعالجة الإنسانية لأزمة الاحتجاز.