من احتجاجات الشوارع إلى السجن توتر يهز عين العرب

عبدالله نعيمي - حلب - وكالة أنباء آسيا

2026.09.12 - 14:23
Facebook Share
طباعة

انتقلت التوترات التي شهدتها مدينة عين العرب في ريف حلب الشرقي خلال الساعات الماضية من الشوارع والمقار الأمنية إلى داخل السجن، في تطور رفع مستوى المخاوف من اتساع التداعيات الأمنية لحادثة مقتل سامي شيخموس حسو، المعروف باسم «سيبان»، لتتجاوز الاحتجاجات والاشتباكات المحدودة إلى مؤسسات يفترض أن تبقى خارج دائرة الصدام.

 

وفجر السبت، اندلع حريق داخل سجن عين العرب، وسط تضارب في المعلومات حول عدد الوفيات وطبيعة ما جرى داخل المنشأة. وأعلنت وسائل إعلام رسمية سورية وفاة سبعة نزلاء وإصابة آخرين بحالات اختناق، بينما تحدثت وسائل إعلام محلية في شمال شرقي سوريا عن ثمانية قتلى و17 مصاباً، بعضهم في حالات حرجة. وأكدت المصادر أن سبب الحريق لم يُحسم بصورة نهائية.

 

السجن يدخل على خط الأزمة

 

المعطيات المتداولة تشير إلى أن الحريق جاء بعد حالة من الفوضى داخل السجن، بالتزامن مع أنباء عن احتمال نقل عدد من النزلاء إلى سجون في مدينة حلب.

وبحسب روايات نشرتها وسائل إعلام محلية، أقدم سجناء على إحراق مهاجع داخل المنشأة عقب سماعهم أنباء عن نقلهم، فيما تحدثت الرواية الرسمية عن فوضى وأعمال شغب سبقت اندلاع الحريق.

 

لكن اللافت في الحادثة أن السجن، وفق ما نقلته الرواية الأمنية الرسمية، لم يكن قد انتقل بعد إلى إدارة قوى الأمن الداخلي، إذ بقي تحت إدارة كوادر سابقة. ويضيف هذا التفصيل تعقيداً إضافياً إلى المشهد، خصوصاً أن عملية إعادة ترتيب الأجهزة والمؤسسات في مناطق الشمال الشرقي ما تزال في طور التثبيت.

وبذلك، لا يتعلق السؤال فقط بكيفية اندلاع الحريق، وإنما أيضاً بالجهة التي كانت تدير المنشأة، وبالإجراءات المتخذة داخلها لمنع الشغب وتأمين النزلاء، وما إذا كانت التطورات التي سبقت الحريق قد أثرت في قدرة إدارة السجن على السيطرة على الوضع.

 

احتجاج بدأ بسبب مقتل «سيبان»

 

الأحداث في عين العرب جاءت امتداداً لتوتر بدأ على خلفية مقتل سامي شيخموس حسو في مدينة رأس العين بمحافظة الحسكة.

وتحولت حادثة القتل إلى قضية واسعة التأثير بعد تداول روايات تربط الضحية بخلافات وثأر قديم، قبل أن تنتقل تداعياتها إلى عدة مناطق في شمال شرقي سوريا.

 

وفي عين العرب، انتشرت قوى الأمن الداخلي لتأمين وقفة احتجاجية على خلفية الحادثة، لكن الاحتجاج سرعان ما شهد اعتداءات على عناصر الأمن ومقار تابعة لهم، بحسب بيان أمني سوري.

 

وقالت الجهات الأمنية إن عدداً من المحتجين رشقوا الدوريات بالحجارة وأضرموا النار في مقار أمنية، ما أدى إلى إصابات في صفوف العناصر، قبل تنفيذ عمليات توقيف بحق عدد من المتورطين واستمرار البحث عن آخرين.

في المقابل، أظهرت تسجيلات مصورة انتشرت عبر وسائل التواصل إطلاق عناصر أمن النار في الهواء، إلى جانب مشاهد لرشق الدوريات بالحجارة، في حين تحدثت تقارير محلية عن إطلاق نار كثيف سُمع في المدينة ومحيطها.


الخطر الحقيقي في طبيعة التوتر

 

ما يجعل أحداث عين العرب أكثر حساسية من حادث أمني عابر هو أن الشرارة الأولى لم تعد محصورة في واقعة محددة.

فمقتل شخص واحد أعاد إلى الواجهة روايات متضاربة عن الثأر والانتماءات العشائرية، ثم انتقلت الاحتجاجات إلى صدامات مع القوى الأمنية، قبل أن تصل التداعيات إلى السجن.

 

وهذه السلسلة تكشف طبيعة المخاطر التي قد تنتج عن القضايا الجنائية عندما يجري تحميلها أبعاداً سياسية أو قومية أو عشائرية، إذ يصبح من الصعب احتواء الحادث ضمن حدود المسؤولية الفردية، بينما تتوسع دائرة الأطراف المتداخلة في الأزمة.

وتزداد الحساسية في شمال شرقي سوريا بسبب المرحلة الجديدة التي تشهدها المنطقة، في ظل إعادة ترتيب المؤسسات العسكرية والأمنية وبدء انتقال ملفات كانت تدار سابقاً من قبل تشكيلات مرتبطة بالإدارة المحلية إلى مؤسسات الدولة السورية.

 

 

اختبار لمرحلة الدمج

 

وكانت التطورات الأخيرة قد جاءت بعد فترة من التحولات في وضع قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها، في وقت تتحدث فيه السلطات السورية عن توسيع حضور مؤسسات الدولة في المنطقة.

وفي عين العرب تحديداً، تبدو مسألة السيطرة على المؤسسات الأمنية والسجون من الملفات الأكثر حساسية، ليس فقط بسبب وظيفتها الأمنية، بل لأنها تمثل اختباراً عملياً لمدى انتقال إدارة المنطقة من حالة تعدد مراكز النفوذ إلى بنية مؤسساتية موحدة.

 

ومن هنا، فإن حادثة السجن لا يمكن فصلها تماماً عن هذا السياق. فبقاء منشآت أمنية خارج الإدارة المباشرة لقوى الأمن الداخلي، بالتزامن مع اضطرابات في الشارع، يترك ثغرات يمكن أن تتسع سريعاً عند وقوع أي حادث جديد.

وفي المقابل، فإن التعامل الأمني مع الاحتجاجات يحمل بدوره أهمية كبيرة؛ إذ إن الإفراط في القوة قد يزيد الاحتقان، في حين أن ترك المقار الأمنية والممتلكات العامة عرضة للاعتداء يمكن أن يدفع إلى مزيد من الفوضى.

 

عين العرب أمام مرحلة دقيقة

 

حتى الآن، لا تزال ملابسات الحريق وعدد ضحاياه النهائي وتفاصيل ما سبق اندلاعه بحاجة إلى استكمال التحقيقات، خصوصاً في ظل اختلاف الروايات بشأن ما إذا كان الحريق نتيجة شغب داخل السجن أم تطوراً آخر لم تتضح تفاصيله بعد.

لكن المؤكد أن المدينة تدخل مرحلة أمنية أكثر تعقيداً، بعدما انتقلت تداعيات جريمة قتل إلى الشارع، ثم إلى المراكز الأمنية، وصولاً إلى السجن.

 

وفي حال لم تُضبط هذه الدائرة عبر التحقيق والمحاسبة القانونية وتهدئة الخطاب الاجتماعي، فإن الخطر لن يبقى في حدود حادثة واحدة، بل قد يتحول إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة.

وتبدو الأولوية في عين العرب حالياً هي منع توسيع نطاق الصدام، وتثبيت مسؤولية كل متورط بصورة فردية، وضمان أن تبقى معالجة الجرائم والاحتجاجات ضمن مؤسسات الدولة والقانون، بعيداً عن منطق الانتقام أو تحويل الحوادث الجنائية إلى صراع جماعي. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 9