بعد نحو ثمانية أشهر على توقيفه في مدينة الرقة، انتقلت قضية الصحفي التركي الكردي أحمد بولاد من مسار الاحتجاز داخل سوريا إلى مرحلة جديدة مع الحديث عن تسليمه إلى السلطات التركية، في خطوة تفتح في الوقت نفسه أسئلة حول طبيعة الملف الذي أبقاه قيد الاحتجاز طوال هذه الفترة، ومصير التحقيقات التي كانت السلطات السورية تتحدث عن استكمالها.
اقرأ أيضاً:أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 11-9-2026
وبحسب معلومات نقلتها مصادر مقربة من عائلة بولاد، جرى تسليمه إلى تركيا في 9 أيلول الحالي، قبل أن تنقله السلطات التركية إلى سجن «ميتريس» في إسطنبول.
وكان بولاد قد أوقف في الرقة خلال العمليات العسكرية التي شهدتها المحافظة في كانون الثاني الماضي، برفقة الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان، قبل أن تنتهي قضية الأخيرة بالإفراج عنها وترحيلها إلى ألمانيا في حزيران، فيما استمر احتجاز بولاد حتى التطور الأخير.
احتجاز بدأ وسط معارك الرقة
ترجع بداية القضية إلى 18 كانون الثاني 2026، حين انقطع الاتصال ببولاد وميشلمان أثناء وجودهما في الرقة لتغطية التطورات الميدانية.
وأكدت جهات صحفية وحقوقية في وقت لاحق أن الصحفيين كانا قد فقدا الاتصال بهما خلال العمليات العسكرية، وسط غياب معلومات واضحة لأسابيع عن مكان وجودهما.
أما الرواية الرسمية السورية، فقد جاءت لاحقاً لتوضح أن السلطات عثرت على الصحفيين داخل مقر أمني سابق في الرقة، وأنهما لم يقدما عند توقيفهما ما يثبت هويتيهما، قبل أن تقول إنهما قدّما معلومات متباينة حول طبيعة عملهما.
ووفق ما أعلنته وزارة الإعلام السورية، فقد اعتبرت السلطات أن وجودهما في المنطقة كان غير قانوني، وتحدثت عن الاشتباه بارتباطهما بجهات مسلحة واعتبارهما «مقاتلين أجانب»، مع الإشارة إلى اتخاذ إجراءات تمهيدية لإحالتهما إلى القضاء. ولم يصدر، وفق المعلومات المتاحة، إعلان تفصيلي لاحق يوضح التهم التي انتهى إليها الملف بحق بولاد أو الحكم القضائي الذي صدر بحقه.
لماذا بقي بولاد بعد الإفراج عن ميشلمان؟
الفارق بين مساري الصحفيين هو أحد أبرز علامات الاستفهام في القضية.
ففي حزيران، وافقت السلطات السورية على إخراج ميشلمان من البلاد بعد تحرك ألماني، ووصلت الصحفية إلى ألمانيا في 19 حزيران. وكانت الخارجية الألمانية قد تابعت ملفها منذ الكشف عن احتجازها، بينما قالت السلطات السورية إنها أجرت الإجراءات القنصلية والطبية اللازمة قبل الموافقة على ترحيلها.
اقرأ أيضاً:انفجار مستودع ذخائر يخلّف أضراراً مادية في الضمير
أما بولاد، الذي يحمل الجنسية التركية ويُعرّف نفسه في الوسط الصحفي بوصفه صحفياً كردياً، فقد بقي خارج المسار نفسه لثلاثة أشهر إضافية تقريباً.
ومن هنا، تبدو عملية التسليم إلى تركيا مختلفة عن حالة ميشلمان؛ إذ لم تنته القضية بترحيل إلى بلد يحمل الصحفي جنسيته الأوروبية بعد تحرك دبلوماسي، وإنما انتقلت إلى دولة أخرى يفترض أن تفتح معه مساراً قانونياً خاصاً بها.
صحفي في منطقة ملتبسة
لا تقتصر أهمية قضية بولاد على كونه صحفياً أوقف خلال معارك، بل ترتبط أيضاً بالبيئة الإعلامية التي عمل داخلها في شمال شرقي سوريا.
وتظهر المعلومات المتاحة أن بولاد عمل ضمن مؤسسات إعلامية كردية ناشطة في المنطقة، بينها وكالة «إيثا» وتلفزيون «أوزغور»، كما ارتبط اسمه بهيئات مهنية إعلامية محلية.
وهذه المؤسسات تنشط في بيئة إعلامية وسياسية شديدة التداخل، حيث يصعب أحياناً الفصل بصورة قاطعة بين العمل الصحفي، والخطاب السياسي، وشبكات المؤسسات التي نشأت في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية خلال السنوات الماضية.
ولهذا السبب، ارتبط اسم بولاد في بعض المصادر بوصفه قريباً من الخطاب السياسي لحزب العمال الكردستاني، في حين لا يعني العمل داخل مؤسسات إعلامية تنشط في البيئة الكردية بالضرورة ثبوت انتماء تنظيمي مباشر إلى الحزب. وهذه النقطة تحديداً تبقى بحاجة إلى أدلة منفصلة
عن طبيعة العمل الصحفي أو الاصطفاف السياسي للمؤسسات التي عمل فيها.