تصاعد كلفة الحرب.. لماذا تتمسك طهران بورقة هرمز؟

2026.09.12 - 09:20
Facebook Share
طباعة

تدخل الحرب بين إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر كلفة على الجانب الإيراني، في ظل العقوبات والحصار البحري وتفاقم الأعباء الاقتصادية الداخلية. تراجعت قيمة العملة المحلية، وارتفعت الأسعار، بينما أدى نقص الأدوية إلى زيادة المتاعب المعيشية. خارجيًا، تجاوز خام برنت مستوى 107 دولارات للبرميل، بالتزامن مع تجدد الهجمات على الناقلات واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز.

 

رغم تصاعد هذه الأعباء، تتمسك طهران بالتصعيد العسكري والبحري، انطلاقًا من اعتقادها بأن واشنطن أخلّت بالتزامات نص عليها تفاهم إسلام آباد المبرم في حزيران/يونيو الماضي. وتتعامل القيادة الإيرانية مع هرمز باعتباره أبرز أوراق الضغط المتاحة أمامها لدفع الجانب الأمريكي إلى تعديل موقفه والعودة إلى تنفيذ ما جرى التعهد به.

 

بحسب مصدر مقرب من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، فإن عودة حركة السفن إلى طبيعتها عبر الممر المائي تتطلب تطبيق الالتزامات الأمريكية، فيما سيعني التخلي عن هذه الورقة من دون مقابل فقدان وسيلة قادرة على تحميل الطرف الآخر أعباء مباشرة.

 

حدد تفاهم إسلام آباد مهلة مدتها 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق نهائي، غير أن الفترة انتهت في آب/أغسطس من دون تسوية، وسط تبادل الاتهامات بين الجانبين بشأن أسباب تعثر المسار. ومنذ ذلك الوقت، ربطت طهران إعادة فتح هرمز بصورة كاملة بتنفيذ بنود تقول إن واشنطن تراجعت عنها.

 

في الداخل، برزت دعوات إلى تجنيب الممر البحري التداعيات العسكرية، لكنها اصطدمت باعتراضات من داخل المؤسسة الحاكمة، بالتزامن مع ازدياد التأثيرات السلبية للقيود البحرية على الاقتصاد الإيراني.

 

لا تنظر القيادة الإيرانية إلى الأزمة باعتبارها مرتبطة بالمضيق وحده، بل تصنفها ضمن صراع واسع يجمع الأبعاد العسكرية والاقتصادية والأمنية، في ظل استخدام القوة العسكرية والعقوبات والحصار والضغط الداخلي.

 

ساهمت الضربات التي طالت قيادات ومنشآت إيرانية، إضافة إلى سقوط مدنيين، في تعميق حالة انعدام الثقة داخل دوائر صنع القرار. وأصبح أي مسار للتهدئة مرتبطًا بخطوات أمريكية واضحة، بعدما فقدت التعهدات السياسية جزءًا كبيرًا من قيمتها لدى المؤسسة الأمنية.

 

ضمن هذه الرؤية، تواصل القوات الإيرانية عملياتها، بما في ذلك استهداف مواقع تستخدمها القوات الأمريكية في المنطقة، مع التحذير من ردود أكثر حدة في حال تعرض الأراضي الإيرانية أو مصالحها لضربات جديدة.

 

في الجانب الآخر، تواصل واشنطن الاعتماد على الضغوط الاقتصادية لإضعاف قدرة طهران على الصمود، بالتوازي مع تهديدات باستهداف مواقع داخل إيران عند رصد أنشطة تعتبرها الولايات المتحدة مصدر خطر.

 

رفع قرار إحالة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن مستوى الضغط الدولي على الجمهورية الإسلامية، بينما اعتبرت السلطات الإيرانية أن تحركات الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحمل طابعًا سياسيًا.

 

وتحدد طهران مجموعة من المطالب التي تراها مدخلًا لتقليص التصعيد، بينها وقف العمليات العسكرية في لبنان واليمن، وإنهاء الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج، إلى جانب الحصول على ضمانات تمنع شن هجمات جديدة على الأراضي الإيرانية.

 

وترى القيادة الإيرانية أن الخطوات الأمريكية الملموسة هي القادرة على إعادة تشكيل حساباتها، بينما يؤدي بقاء العقوبات والهجمات والقيود الاقتصادية إلى تقوية الأصوات الداعية إلى مواصلة الرد ورفع ثمن الصراع على الولايات المتحدة وحلفائها.

 

تستند هذه الاستراتيجية إلى الأهمية الكبيرة لمضيق هرمز بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، إذ كشفت اضطرابات الملاحة الأخيرة مدى تأثر أسواق الطاقة بأي تهديد يطاول حركة النفط والتجارة. وقفز خام برنت إلى 107.63 دولارات للبرميل في 10 أيلول، بعد موجة جديدة من الهجمات على السفن واضطراب تدفقات الخام عبر المنطقة.

 

في المقابل، تفرض هذه السياسة أعباء إضافية على الاقتصاد الإيراني، بعدما أدى الحصار إلى تراجع صادرات النفط وتعقيد عمليات الاستيراد والتحويلات المالية. ودفع ذلك الحكومة إلى توسيع طرق التجارة البديلة عبر روسيا وآسيا، والبحث عن وسائل جديدة لتأمين السلع والعملات الأجنبية.

 

تقر الدوائر الإيرانية بحجم التداعيات الاقتصادية، لكنها تضعها في مواجهة ما تعتبره ثمنًا سياسيًا وعسكريًا أكبر إذا تخلت عن ورقة هرمز من دون الحصول على ضمانات أو تنازلات أمريكية.

 

وأظهرت التطورات خلال الأشهر الستة الماضية قدرة الممر البحري على إحداث تأثير مباشر في الولايات المتحدة والأسواق العالمية، الأمر الذي يدفع طهران إلى الاحتفاظ بهذه الوسيلة طالما تعتقد أن واشنطن تسعى إلى إنهاء الحرب وفق شروطها من دون الاستجابة للمطالب الإيرانية.

 

في الوقت نفسه، يتصاعد النقاش داخل إيران حول عامل الزمن، إذ يدعو بعض السياسيين والخبراء إلى تحويل الضغط على الملاحة سريعًا إلى مكاسب تفاوضية، خشية أن يؤدي طول الأزمة إلى زيادة الأعباء الاقتصادية وتوسيع قدرة الدول والشركات على إنشاء طرق بديلة للطاقة والتجارة.

 

أما داخل المؤسسة الأمنية، فتظل المقاربة أكثر تشددًا، مع اعتبار أن خفض التصعيد لن يبدأ قبل ظهور تغيير عملي في السياسة الأمريكية وتنفيذ الالتزامات التي تقول طهران إنها ما زالت قائمة بموجب تفاهم إسلام آباد.

 

إلى أن يتحقق ذلك، تظل القدرة على التأثير في حركة الملاحة عبر هرمز إحدى أهم أدوات إيران في إدارة الحرب، رغم أن مواصلة استخدامها تفرض في المقابل ثمنًا اقتصاديًا متزايدًا على الداخل الإيراني.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6