تتحرك الاتصالات السياسية حول محافظة السويداء جنوبي سورية مجددًا، وسط مساعٍ أميركية وأردنية وتركية وسورية لإعادة تفعيل خريطة الطريق الخاصة بالمحافظة، وطرح ترتيبات سياسية وأمنية يمكن أن تفتح الباب أمام تسوية تنهي حالة التوتر المستمرة منذ أشهر.
اقرأ أيضاً:سوريا تشدد الرقابة على التمويل الدولي للمنظمات المحلية
وتتداخل في المشهد عوامل محلية وإقليمية، من بينها الخلاف حول طبيعة العلاقة بين السويداء والدولة السورية، ومستقبل السلاح والقوى المحلية، إلى جانب الموقف الإسرائيلي من التطورات في الجنوب السوري. كما تبرز الأوضاع الأمنية والمعيشية داخل المحافظة باعتبارها أحد الملفات التي تضغط باتجاه البحث عن صيغة للحل.
تصريحات الهجري تصعّد الخلاف
تصاعد الجدل حول مستقبل السويداء عقب تصريحات الشيخ حكمت الهجري في 25 أغسطس/آب الماضي، التي قال فيها إن الموحدين الدروز «جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل».
اقرأ أيضاً:انفجار سرمدا يعيد فتح ملف مستودعات الذخيرة
وأثارت التصريحات اعتراضات من شخصيات ومرجعيات درزية في سورية ولبنان والأراضي المحتلة، فيما انعكست الخلافات على المشهد الداخلي في المحافظة، خصوصًا بشأن حدود التمثيل السياسي والجهة التي تتولى التعبير عن مواقف أبنائها.
وشهدت بلدة المجدل تحركًا لقوات «الحرس الوطني» على خلفية قضية أحد وجهاء المنطقة، وانتهى الأمر بخروجه إلى دمشق، بينما قدمت قيادة الحرس رواية مختلفة بشأن ملابسات مغادرته.
خريطة الطريق تعود إلى النقاش
دفعت التطورات الأخيرة الأطراف المعنية إلى إعادة طرح خريطة الطريق السورية ـ الأميركية ـ الأردنية باعتبارها إطارًا محتملًا لمعالجة أزمة السويداء.
وتقوم الخطة على اعتبار المحافظة جزءًا من سورية، مع اعتماد ترتيبات انتقالية تنتهي بإعادة دمجها في مؤسسات الدولة، إلى جانب معالجة الملفات الأمنية والإنسانية والسياسية التي تراكمت خلال الفترة الماضية.
تشمل المقترحات التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وإدخال المساعدات، وإعادة الخدمات، وتعويض المتضررين وإعمار المناطق المتضررة، فضلًا عن عودة النازحين وإطلاق المحتجزين وكشف مصير المفقودين.
ترتيبات أمنية ومؤسسات محلية
تقترح الخطة نشر قوات تابعة لوزارة الداخلية على طريق دمشق ـ السويداء، وسحب المقاتلين المدنيين من المناطق الحدودية واستبدالهم بقوات شرطية نظامية.
كما تتضمن تشكيل شرطة محلية تضم مختلف مكونات المحافظة، مع إسناد قيادتها إلى شخصية من أبنائها، إضافة إلى تشكيل مجلس للمحافظة وإعادة تفعيل المؤسسات المدنية.
وتطرح الخطة كذلك إطلاق مسار للمصالحة بين الدروز والعشائر، وإنهاء التدخل الخارجي، وإنشاء آلية سورية ـ أردنية ـ أميركية لمتابعة التنفيذ.
السلاح أبرز ملفات الخلاف
تبقى قضية السلاح والقرار الأمني من أكثر المسائل تعقيدًا أمام أي تسوية، في ظل وجود قوة محلية مسلحة خارج البنية الرسمية.
ويرتبط حل هذا الملف بتحديد الجهة صاحبة القرار الأمني النهائي في المحافظة، وآلية تنظيم وضع القوى المسلحة، وضمان عدم تحول الترتيبات المحلية إلى واقع أمني منفصل عن مؤسسات الدولة.
اتصالات إقليمية متواصلة
بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، الأربعاء، مسار تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الخاصة بالسويداء.
وسبق ذلك عقد الشيباني لقاءات في أنقرة مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمبعوث الأميركي إلى سورية والعراق توم برّاك.
وأكد برّاك تمسك واشنطن بخريطة الطريق، واعتبرها الإطار المطروح لمعالجة أزمة السويداء، داعيًا إلى الحوار والتفاهم والتعاون بين الدروز والعشائر والدول المجاورة.
حسابات إسرائيلية وتركية وأميركية
يرتبط ملف السويداء أيضًا بحسابات الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالجنوب السوري.
وتولي إسرائيل اهتمامًا بالمنطقة من زاوية أمنية، بينما تؤكد تركيا دعمها لوحدة الأراضي السورية وتعزيز مؤسسات الدولة. أما الولايات المتحدة فتدفع باتجاه صيغة تجمع بين الحفاظ على السيادة السورية ومنح المحافظة ترتيبات محلية تتيح لأبنائها المشاركة في إدارة شؤونها.
ويضع هذا التداخل السويداء ضمن ملفات أوسع تتعلق بمستقبل الدولة السورية، وأمن الحدود الجنوبية، وطبيعة العلاقات بين دمشق وواشنطن وأنقرة وتل أبيب.
اعتراضات على ربط السويداء بإسرائيل
برزت خلال الفترة الأخيرة مواقف محلية رافضة لربط مستقبل المحافظة بإسرائيل، بالتزامن مع دعوات إلى اعتماد مسار سياسي يحافظ على ارتباط السويداء بالدولة السورية.
كما تصاعدت المطالب باتخاذ خطوات عملية لتحسين الظروف داخل المحافظة، وفي مقدمتها إعادة إعمار المناطق المتضررة، وتحسين الخدمات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات،
وتوفير ترتيبات أمنية تضمن حماية السكان.
ضغوط اجتماعية وأمنية
تواجه السويداء ضغوطًا مرتبطة بالأوضاع المعيشية والأمنية، وسط شكاوى من تراجع الخدمات وارتفاع مستوى الفلتان الأمني وحركة نزوح باتجاه دمشق أو خارج البلاد.
كما شهدت المحافظة خلال الفترة الماضية توترات مرتبطة بالتعليم وخطوط وقف إطلاق النار، ما زاد الحاجة إلى معالجة الملفات اليومية بالتوازي مع المسار السياسي.
فرصة لإعادة إطلاق التسوية
تعكس الاتصالات الحالية محاولة لإعادة ملف السويداء إلى المسار السياسي بعد أشهر من الجمود، عبر خريطة طريق تجمع بين الترتيبات الأمنية والإدارية، ومعالجة الملفات الإنسانية، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة.
ويرتبط نجاح المسار بقدرة الأطراف على التوصل إلى تفاهم حول السيادة والسلاح والتمثيل المحلي والمساءلة عن الانتهاكات، إلى جانب تقديم ضمانات للسكان والحد من التدخلات الخارجية.
وفي ظل تعدد الأطراف المؤثرة وتباين مصالحها، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة دمشق وشركائها الإقليميين والدوليين على تحويل التفاهمات المطروحة إلى خطوات عملية، بما يخفف التوتر ويمنع تحول السويداء إلى بؤرة صراع مفتوحة.