ردّ المجلس الدستوري بالإجماع المراجعة المقدمة ضد القانون رقم 47، المتعلق بتعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي والإعفاء من زيادات التأخير وإجازة تقسيط الديون المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، معتبرًا أن النص لا يتضمن ما يستوجب إبطاله لمخالفته الدستور.
جاء القرار خلال جلسة عُقدت في 10 أيلول/سبتمبر 2026 برئاسة القاضي طنوس مشلب، وانتهت إلى قبول المراجعة شكلًا وردّها أساسًا، مع إبلاغ القرار إلى رئاسات الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء ونشره في الجريدة الرسمية.
قُدمت المراجعة في 13 آب/أغسطس 2026، ووقّعها النواب إلياس حنكش، سليم الصايغ، وضاح صادق، نعمة فرام، جورج عقيص، ميشال ضاهر، فريد البستاني، أشرف ريفي، نديم الجميل وميشال الدويهي، طعنًا بالقانون المنشور في العدد 32 من الجريدة الرسمية بتاريخ 30 تموز/يوليو 2026.
ينص القانون المطعون فيه على تقسيط الديون المتوجبة للصندوق حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025، شرط تسديد دفعة أولى لا تقل عن 20% من قيمة الدين، إلى جانب إعفاءات من زيادات التأخير وإلغاء ديون سابقة وفق الشروط المحددة فيه.
تركز اعتراض النواب على طريقة احتساب مستحقات الضمان عن الأجور التي دُفعت كليًا أو جزئيًا بالعملات الأجنبية، معتبرين أن تحديد قيمة هذه الموجبات، ولا سيما سعر الصرف المعتمد، يدخل ضمن الاختصاص التشريعي ولا يمكن للصندوق تحديده من تلقاء نفسه.
استندت المراجعة إلى التحولات التي طرأت على سوق العمل بعد الانهيار المالي والنقدي، عندما انتقل عدد كبير من أصحاب العمل إلى دفع الرواتب بالدولار أو بعملات أجنبية. وأشار مقدموها إلى أن الصندوق اعتمد في مذكراته الإدارية آليات وأسعار صرف رأوا أنها لم تستند إلى قاعدة تشريعية صريحة.
تعود أبرز هذه الإجراءات إلى المذكرة الإعلامية رقم 714 الصادرة في 5 أيلول/سبتمبر 2023، ثم المذكرة رقم 740 في 1 شباط/فبراير 2024، التي اعتمدت سعر 89,500 ليرة للدولار في احتساب الاشتراكات.
كما استند النواب إلى نصوص ضريبية صدرت خلال الأزمة، أبرزها المادة 35 من القانون رقم 10/2022 والمادة 18 من موازنة 2024، معتبرين أن المشترع وضع قواعد محددة لاحتساب الضرائب على الأجور الأجنبية، بينما أبقى معالجة تعويضات نهاية الخدمة عن الفترة السابقة لـ31 كانون الأول/ديسمبر 2023 لقانون خاص.
كان المجلس قد نظر في 18 آب/أغسطس بطلب وقف مفعول القانون، لكنه لم يقرر تعليق العمل به، قبل أن يستكمل دراسة المراجعة ويصدر قراره النهائي.
بعد التأكد من استيفاء الشروط القانونية، قبلت الهيئة المراجعة شكلًا، لكونها قُدمت ضمن مهلة الـ15 يومًا المحددة قانونًا، وموقعة من العدد المطلوب من النواب.
في الأساس، تناولت الحيثيات مسألة وضوح القانون، بعدما اعتبر مقدمو المراجعة أن النص لم يحدد بصورة كافية طريقة احتساب الديون المرتبطة بالأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية.
رأى المجلس أن النص واضح في عناصره الأساسية، من نطاقه الزمني ونسبة الدفعة الأولى إلى مهلة تقديم الطلب ومعدلات الفائدة وتدرج الأقساط ونسب الإعفاء. وبذلك، لم يجد فيه غموضًا يفتح المجال أمام تفسيرات متعارضة أو يجعل المعنيين عاجزين عن معرفة حقوقهم والتزاماتهم.
انتقلت المناقشة إلى طبيعة اشتراكات الضمان ومدى خضوعها للقواعد الدستورية الخاصة بالضرائب. وبيّن القرار أن الضريبة تذهب إلى الخزينة العامة لتمويل النفقات العامة، في حين تُخصص اشتراكات الضمان لتمويل تقديمات اجتماعية محددة يستفيد منها المضمونون وذووهم.
بناءً على هذا الاختلاف، خلص المجلس إلى أن الاشتراكات لا تُعد «ضريبة عمومية» بالمعنى المقصود في المادة 81 من الدستور، وبالتالي لا تنطبق عليها الأحكام ذاتها المتعلقة بالاختصاص الحصري للمشرّع في فرض الضرائب.
أكد القرار في الوقت نفسه أن الصفة غير الضريبية للاشتراك لا تمنح الإدارة صلاحية مفتوحة لتحديد عناصره الأساسية، لأن هذا الالتزام المالي يؤثر في ذمة المكلفين. لذلك، تبقى العناصر الجوهرية، وفي مقدمتها الوعاء وأساس تقويمه، من المسائل التي تعود إلى السلطة التشريعية، فيما يمكن تنظيم التفاصيل التنفيذية ضمن الحدود التي يضعها القانون.
عند مراجعة قانون الضمان الاجتماعي، لم يجد المجلس نصًا خاصًا يحدد سعر صرف الأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية لغايات احتساب الاشتراكات. لكنه خلص إلى أن الصندوق، في المذكرة رقم 714، لم يستحدث آلية مستقلة، بل اعتمد القواعد التي سبق أن وضعها المشترع لاحتساب الأجور الأجنبية في المجال الضريبي.
أما المذكرة رقم 740، فلم يعتبرها القرار سببًا لإبطال القانون رقم 47، لعدم ثبوت أنها أنشأت تفويضًا إداريًا مخالفًا للدستور في ما يتعلق بالديون التي يشملها النص.
تطرقت الحيثيات كذلك إلى تعويضات نهاية الخدمة، موضحة أن موازنة 2024 أرجأت معالجة التعويضات عن المرحلة السابقة لـ31 كانون الأول/ديسمبر 2023 إلى تشريع خاص، ولا يعني ذلك تعليق جميع الموجبات المستحقة للصندوق عن الاشتراكات وزيادات التأخير والفوائد.
تُنشأ هذه الموجبات بصورة دورية على أصحاب العمل استنادًا إلى قانون الضمان، ولا ترتبط مباشرة بانتهاء خدمة العامل، باستثناء التسويات التي تدخل في احتساب تعويض نهاية الخدمة.
وبشأن ما وصفه النواب بـ«عدم الاختصاص السلبي»، اعتبر المجلس أن الحالة المعروضة لا تبرر إبطال القانون، لعدم ثبوت ترك عنصر جوهري من عناصر الديون المشمولة به لسلطة الصندوق بطريقة تؤدي إلى الإخلال بالمساواة بين المكلفين.
لفت القرار إلى أن إبطال القانون كان سيؤدي إلى إلغاء أحكام ذات أثر تخفيفي على المكلفين، بينها الإعفاء من جزء من زيادات التأخير، وإلغاء ديون سابقة وإتاحة تقسيط المستحقات.
في ضوء هذه الحيثيات، قرّر المجلس الدستوري بالإجماع قبول المراجعة شكلًا وردّها أساسًا، لتبقى أحكام القانون رقم 47 نافذة، على أن يُبلّغ القرار إلى المراجع الدستورية المعنية ويُنشر في الجريدة الرسمية.