دخل ملف العدالة الانتقالية في سوريا مرحلة جديدة مع انتقال جانب من ملفات الانتهاكات السابقة إلى المسار القضائي الوطني، بالتوازي مع إجراءات رسمية تستهدف تنظيم ملف المفقودين والمختفين قسراً، في محاولة لبناء آليات قانونية ومؤسساتية للتعامل مع أحد أكثر الملفات تعقيداً وإرثاً في البلاد.
وكشف ممثل سوريا أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف، ياسر الفرحان، عن وجود أكثر من 2500 ملف موزعة بين مرحلتي التحقيق والنيابة العامة، إلى جانب ملفات أخرى وصلت إلى القضاء المختص وقاضي الإحالة.
وبحسب الأرقام التي عرضها الفرحان، يوجد 1147 ملفاً قيد التحقيق، فيما بلغ عدد الملفات الموجودة لدى النيابة العامة نحو 1333 ملفاً، بينما تنظر محكمة الجنايات المختصة في 12 دعوى، بعد أن فصلت في خمس دعاوى، في حين يوجد 69 ملفاً أمام قاضي الإحالة.
وتشير هذه الأرقام إلى اتساع نطاق العمل القضائي المرتبط بملفات الانتهاكات، إلا أن انتقال آلاف الملفات إلى المسار القانوني يمثل في الوقت نفسه اختباراً لقدرة المؤسسات القضائية على التعامل مع هذا الحجم من القضايا، وضمان حقوق الضحايا والمتهمين وفق إجراءات واضحة وقابلة للتدقيق.
اقرأ أيضاً: من الاختلاط إلى الفصل.. جدل تربوي في دمشق
مسار قضائي تحت الاختبار
وقال الفرحان إن المسار القضائي الوطني يستند إلى الإعلان الدستوري والقوانين السورية والمعايير الدولية، مشيراً إلى التزام القضاء بضمانات المحاكمة العادلة، بما في ذلك حقوق الدفاع، والتواصل مع العائلات، ومشاركة الضحايا، وسلامة الإجراءات واستقلال القضاء.
كما تحدث عن إتاحة حضور المراقبين الدوليين والمنظمات الحقوقية للمحاكمات، في إطار ما وصفه بالسعي إلى تعزيز الشفافية في التعامل مع الملفات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل اتساع الاهتمام الدولي بمسار العدالة في سوريا، إذ لا يرتبط نجاح المحاسبة بعدد الملفات التي تُحال إلى القضاء فقط، وإنما بمدى قدرة المحاكم على الوصول إلى نتائج تستند إلى الأدلة والإجراءات القانونية، وتمنح الضحايا وعائلاتهم مساحة حقيقية للمشاركة ومعرفة مصير القضايا.
وفي هذا السياق، اعتبر الفرحان أن انتقال سوريا للمرة الأولى إلى البند الثاني في جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان بدلاً من البند الرابع يعكس، من وجهة نظر دمشق، تحولاً في مقاربة ملف حقوق الإنسان وانتقال البلاد إلى مرحلة جديدة في التعامل مع الانتهاكات السابقة.
اقرأ أيضاً: اشتباكات عائلية متجددة تعيد التوتر إلى ريف حلب
المفقودون في قلب العدالة
ولا ينفصل المسار القضائي عن ملف المفقودين والمختفين قسراً، الذي يشكل أحد أبرز التحديات أمام أي عملية عدالة ومصالحة في سوريا.
وفي هذا الإطار، تواصل الهيئة الوطنية للمفقودين بناء هيكلها المؤسسي وإعداد الإطار القانوني المنظم لعملها، بالتوازي مع إنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة.
وكانت الهيئة قد أطلقت في 30 آب برنامج «أثر»، الذي يتيح للعائلات تسجيل بيانات المفقودين والمختفين قسراً عبر تطبيق للهواتف المحمولة وموقع إلكتروني، بهدف توحيد البلاغات ودعم عمليات البحث والكشف عن مصير الأشخاص الذين ما زال مصيرهم مجهولاً.
كما أعلنت الهيئة تنفيذ 194 استجابة ميدانية مرتبطة بملفات المفقودين والمقابر الجماعية، في خطوة تعكس انتقال الملف تدريجياً من مرحلة التوثيق الفردي إلى محاولة بناء سجل وطني أكثر تنظيماً.
ويُنظر إلى توحيد البيانات باعتباره خطوة أساسية، نظراً إلى تعدد الجهات التي وثقت حالات الفقدان والاختفاء خلال السنوات الماضية، وتباين المعلومات المتعلقة بالأسماء والظروف والأماكن، الأمر الذي يجعل إنشاء قاعدة رسمية موحدة ضرورياً لأي عملية بحث أو مساءلة لاحقة.
اقرأ أيضاً: حراك أمريكي سوري متسارع قبيل زيارة الشرع
لجنة التحقيق الدولية تراقب
وتزامن عرض هذه الأرقام في مجلس حقوق الإنسان مع إحاطة للجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، التي تناولت بدورها التطورات المتعلقة بحقوق الإنسان والوضع الأمني داخل البلاد.
وأعربت اللجنة عن قلقها من الأنشطة العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، مشيرة إلى أن بعض الممارسات، ومنها اعتقال أشخاص، قد ترقى إلى جرائم حرب وفق تقييمها.
ومن جهته، دعا الفرحان المجلس إلى الاهتمام بمصير السوريين الذين تقول دمشق إنهم مختفون قسراً لدى إسرائيل، والعمل على الكشف عن أماكن وجودهم والإفراج عنهم.
ويضيف هذا الملف بعداً آخر إلى أجندة العدالة، إذ لا تقتصر المطالب السورية على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي وقعت داخل البلاد، وإنما تشمل أيضاً ما تعتبره دمشق انتهاكات مستمرة مرتبطة بالوجود والعمليات الإسرائيلية في الأراضي السورية.
من الأرقام إلى النتائج
ويضع حجم الملفات المعلنة السلطات السورية أمام تحدٍ يتجاوز الإعلان عن بدء المحاسبة. فوجود أكثر من 2500 ملف بين التحقيق والنيابة العامة، إلى جانب القضايا الموجودة أمام المحاكم وقاضي الإحالة، يعني أن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى آليات واضحة لتحديد الأولويات، وحماية الأدلة، وضمان حقوق الأطراف، وتسريع الإجراءات دون الإخلال بالمعايير القضائية.
كما سيكون ملف المفقودين اختباراً موازياً، خصوصاً بالنسبة إلى آلاف العائلات التي تنتظر معلومات عن مصير أقاربها منذ سنوات.
وبذلك، يبدو أن العدالة الانتقالية في سوريا بدأت تنتقل من مستوى الخطاب السياسي والحقوقي إلى مرحلة أكثر ارتباطاً بالمؤسسات والإجراءات. غير أن نجاح هذا المسار لن يقاس بعدد الملفات المسجلة فقط، بل بما ستنتجه التحقيقات والمحاكم من أحكام ونتائج، وبمدى قدرة المؤسسات على تقديم إجابات فعلية للضحايا وعائلات المفقودين.