قرار يثير التساؤلات
أثار قرار إدارة «معهد الحرية» المعروف في دمشق باسم «لاييك»، فصل الطلاب الذكور عن الإناث في المرحلتين الإعدادية والثانوية، جدلاً واسعاً في الأوساط التعليمية والاجتماعية، بعدما أعلنت الإدارة تطبيق الفصل داخل الصفوف وفي باحات المدرسة، مع استثناء المرحلة الابتدائية.
وقالت الإدارة إن القرار جاء «حرصاً على مصلحة الطلبة»، قبل أن توضح لاحقاً أن من بين دوافعه تسجيل حالات وصفتها بأنها مرتبطة بالتحرش والتنمر بحق الطالبات، إلى جانب انشغال بعض الطلاب بعلاقات عاطفية ووقوع شجارات داخل المدرسة.
وفي حين اعتبر مؤيدون القرار إجراءً تربوياً ووقائياً، رأى معارضون أنه قد يعكس اتجاهاً نحو مزيد من التشدد الاجتماعي والديني في البلاد. وأكدت إدارة المدرسة أن القرار اتُخذ بصورة مستقلة، من دون تدخل أو توجيه من أي جهة رسمية، بينما لم يصدر تعليق من وزارة التربية السورية بشأنه.
اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 8-9-2026
مبررات الإدارة
بحسب إدارة المدرسة، لا يرتبط قرار الفصل باعتبارات دينية، وإنما جاء استجابة لمشكلات سلوكية قالت إنها شهدتها خلال الفترة الماضية.
وأوضحت أن حالات التحرش والتنمر دفعت بعض العائلات إلى نقل بناتها من المدرسة، بسبب رفضها استمرار الاختلاط بين الذكور والإناث، مشيرة إلى أن ذلك انعكس على نسبة الطالبات المسجلات.
كما ربطت الإدارة بين الاختلاط وعدد من المشكلات التي قالت إنها وقعت داخل المدرسة، وبينها الشجارات وانشغال بعض الطلاب بعلاقات عاطفية.
اقرأ أيضاً: حراك أمريكي سوري متسارع قبيل زيارة الشرع
مدرسة من ذاكرة دمشق
يزيد تاريخ «معهد الحرية» من حساسية الجدل حول القرار، إذ تأسست المدرسة عام 1925 خلال فترة الانتداب الفرنسي، وافتتحت على يد البعثة العلمانية.
وبعد وصول حزب البعث إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي، جرى تأميم المدرسة ضمن إجراءات شملت المدارس الأجنبية، وحملت منذ ذلك الوقت اسم «الحرية».
كما حملت المدرسة لفترة وجيزة اسم باسل الأسد، الشقيق الأكبر للرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي درس فيها أيضاً.
وعلى مدى عقود، ارتبط اسم المدرسة بالذاكرة التعليمية والاجتماعية لدمشق، باعتبارها واحدة من المؤسسات التعليمية التي حافظت لفترة طويلة على نظام التعليم المختلط.
انقسام بين الخريجين
أثار قرار الفصل اعتراضات من بعض خريجي المدرسة ومتابعين للشأن التعليمي والاجتماعي في سوريا.
وقال الباحث مهند مالك، وهو من خريجي المدرسة ويعمل مستشاراً لوزير التعليم العالي، إن المدارس المختلطة كانت «جزءاً طبيعياً جداً» من حياة أبناء دمشق وذاكرتهم.
وأكد أن دمشق كانت دائماً مدينة قادرة على استيعاب الاختلاف والتنوع، معرباً عن أمله في الحفاظ على هذه الروح.
في المقابل، دافع مؤيدون عن قرار الفصل، معتبرين أنه إجراء وقائي يمكن أن يسهم في الحد من المشكلات السلوكية داخل المدرسة.
ورأى أحد المعلقين أن الفصل يمثل «قراراً تربوياً مسؤولاً»، معتبراً أن الوقاية أفضل من معالجة النتائج بعد وقوعها.
في المقابل، انتقد الصحافي عمر المقداد ربط المشكلات التي تحدثت عنها الإدارة بالاختلاط، متسائلاً عن سبب عدم ظهور المشكلات نفسها، وفق الصيغة التي طرحتها المدرسة، في المدارس المختلطة في الولايات المتحدة وأوروبا وأجزاء واسعة من العالم.
جدل يتجاوز المدرسة
لا يمكن، استناداً إلى قرار مدرسة واحدة، الجزم بوجود تحول شامل في سياسة التعليم السورية أو اتجاه رسمي نحو الفصل بين الذكور والإناث.
لكن القرار يأتي في وقت تشهد فيه سوريا، خلال المرحلة الانتقالية، نقاشات متزايدة حول طبيعة الحياة العامة والحريات الشخصية ودور القيم الاجتماعية والدينية في تنظيم المؤسسات.
مرحلة انتقالية
لا يعني ذلك بالضرورة أن قرار «معهد الحرية» يمثل امتداداً مباشراً لهذه الممارسات، خصوصاً في ظل تأكيد إدارة المدرسة عدم وجود تدخل رسمي في القرار.
لكن الإجراء يضع المؤسسة التعليمية ضمن نقاش أوسع حول حدود السلطة التربوية والاجتماعية، ومدى تأثير المخاوف السلوكية والاجتماعية في شكل الحياة التعليمية.
اختبار للمشهد التعليمي
يتجاوز الجدل حول فصل الطلاب في «معهد الحرية» حدود قرار إداري داخل مدرسة واحدة، ليطرح أسئلة أوسع حول شكل التعليم في سوريا خلال المرحلة الانتقالية، وحدود العلاقة بين الحريات الشخصية والاعتبارات التربوية والاجتماعية.
وبينما ترى الإدارة أن الفصل استجابة لمشكلات سلوكية وحماية لمصلحة الطلاب، يخشى معارضون من أن تتحول مثل هذه الإجراءات إلى نمط أوسع يغيّر طبيعة البيئة التعليمية التي عُرفت بها مدارس دمشق لعقود.
وفي غياب موقف رسمي واضح، يبقى قرار المدرسة حالة منفردة حتى الآن، لكنه فتح مجدداً نقاشاً حساساً حول مستقبل التعليم المختلط وحدود التغيير الاجتماعي في سوريا.