تستعيد القاهرة إرث نجيب محفوظ بعد مرور عقدين على رحيله، عبر برنامج ثقافي يمتد على مدار عام كامل، يجمع بين الندوات والمعارض وورش الكتابة والقراءة والفعاليات الفنية، في محاولة لإعادة أعمال صاحب نوبل إلى الأمكنة التي صنعت عالمه الروائي وشخصياته.
عام ثقافي يستعيد إرث محفوظ
ينظم صندوق التنمية الثقافية التابع لوزارة الثقافة المصرية برنامج «عام نجيب محفوظ» بالتعاون مع مؤسسات ثقافية وتعليمية، فيما يتخذ متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ في تكية محمد أبو الدهب بالدرب الأحمر مركزاً رئيسياً للفعاليات.
يتوزع البرنامج بين جلسات القراءة والندوات الفكرية وورش السرد والكتابة والسينما والعمارة، إلى جانب «موسم نجيب محفوظ الثاني للقراءة».
يتضمن البرنامج أيضاً إطلاق «جماعة أصدقاء متحف نجيب محفوظ» في تشرين الأول/أكتوبر المقبل، فضلاً عن معارض توثيقية وفنية تستعيد مراحل مختلفة من حياة الأديب المصري ومسيرته.
الدرب الأحمر.. عودة الأدب إلى مكانه
يحمل اختيار الدرب الأحمر دلالة خاصة في الاحتفاء بمحفوظ، فالحي يقع في قلب القاهرة الفاطمية التي حضرت بقوة في أعماله، وشكلت أزقتها وبيوتها ومقاهيها فضاءً لعدد كبير من شخصياته وحكاياته.
تظهر علاقة المكان بأدبه بوضوح في أعمال مثل «الثلاثية» و«خان الخليلي» و«زقاق المدق»، حيث لم تكن الحارة مجرد خلفية للأحداث، بل جزءاً من تكوين الشخصيات والصراعات الاجتماعية والتحولات التي رصدها الكاتب.
يعيد البرنامج بذلك ربط النص الأدبي بجغرافيته الأصلية، عبر استحضار القاهرة التي عرفها محفوظ وكتب عنها وحوّل تفاصيلها اليومية إلى مادة روائية ذات أبعاد إنسانية واجتماعية واسعة.
من محاولة الاغتيال إلى أحلام فترة النقاهة
افتتح برنامج العام معرض «نجيب محفوظ من محاولة الاغتيال حتى الرحيل.. قراءة في الصحف المصرية»، الذي يوثق تغطية الصحافة المصرية لحياة الكاتب منذ تعرضه للطعن في تشرين الأول/أكتوبر 1994 وحتى وفاته في آب/أغسطس 2006.
يركز المعرض على مرحلة شديدة الحساسية من حياة محفوظ، بعدما ترك الاعتداء أثراً بالغاً في يده اليمنى وأضعف قدرته على الإمساك بالقلم والكتابة بالطريقة المعتادة.
واصل محفوظ إنتاجه الأدبي رغم تلك الظروف، مستعيناً بإملاء نصوصه على أصدقائه، لتظهر لاحقاً «أحلام فترة النقاهة» بوصفها إحدى أبرز التجارب التي ارتبطت بمرحلة ما بعد محاولة الاغتيال.
تعتمد هذه النصوص على التكثيف والحلم والإيحاء والاختزال، وتحمل أثراً واضحاً للتحول الذي طرأ على تجربة الكاتب بعد الاعتداء.
الصحافة تحفظ تفاصيل المرحلة الأخيرة
يقدم المعرض الصحفي جانباً توثيقياً لمسيرة محفوظ خلال السنوات الأخيرة من حياته، من خلال ما نشرته الصحف المصرية عن حالته الصحية وتطورات حياته بعد محاولة الاغتيال.
يسمح هذا الأرشيف بمتابعة صورة الأديب في المجال العام، وكيف تعاملت الصحافة المصرية مع الاعتداء عليه ثم مع استمراره في الكتابة والإنتاج الأدبي حتى السنوات الأخيرة.
تكشف المواد الصحفية كذلك حجم الاهتمام الذي حظي به محفوظ داخل مصر وخارجها، باعتباره واحداً من أبرز الأسماء التي ارتبطت بتطور الرواية العربية الحديثة.
محفوظ في ذاكرة أصدقائه والنقاد
انتقلت الاحتفالات إلى ساحة الأوبرا عبر ملتقى الهناجر الثقافي، الذي نظم أمسية حملت عنوان «نجيب محفوظ.. ذاكرة الوطن التي لا تغيب».
جمعت الأمسية عدداً من أصدقاء محفوظ والنقاد والمهتمين بأدبه، لاستعادة جوانب من شخصيته وتجربته الإبداعية وموقعه في تاريخ الرواية العربية.
برز في الشهادات التي قُدمت خلال اللقاء وصف محفوظ بالأديب المتواضع والزاهد في مظاهر الشهرة، مع التأكيد على دوره في تأسيس الرواية العربية الحديثة.
نوبل تصل إلى الحارة المصرية
شكّل حصول محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988 محطة مفصلية في حضور الرواية العربية عالمياً.
فتحت الجائزة أمام القراء في أنحاء العالم نافذة واسعة على المجتمع المصري، بما يتضمنه من تفاصيل الحياة اليومية والطبقة الوسطى والحارة الشعبية والتغيرات الاجتماعية والسياسية.
انتقلت أعمال محفوظ من نطاق القراءة العربية إلى جمهور عالمي أوسع، وأصبحت شخصياته وأمكنته جزءاً من صورة الأدب العربي في المشهد الثقافي الدولي.
نوبل دون مظاهر الاحتفال
لم يتوجه محفوظ إلى ستوكهولم لتسلّم الجائزة، بل أوفد ابنتيه نيابة عنه، في موقف انسجم مع صورته المعروفة بالابتعاد عن الأضواء ومظاهر الشهرة.
لم تمنعه المكانة العالمية التي حققها عن الحفاظ على نمط حياة هادئ، وظلت القاهرة وحاراتها ومقاهيها وناسها حاضرة في عالمه الأدبي حتى مراحل متقدمة من مسيرته.
«نجيب في عيون العالم»
يتضمن برنامج العام معرضاً للكاريكاتير بعنوان «نجيب محفوظ في عيون العالم»، إلى جانب معرض «وثائق نوبل» الذي يعرض خطابات وبرقيات مرتبطة بفوزه بالجائزة.
تقدم هذه المعارض جانباً مختلفاً من إرث الكاتب، يجمع بين صورته في المخيال الفني العالمي وبين الوثائق المرتبطة بأبرز محطة دولية في مسيرته.
يعكس تنوع الفعاليات رغبة المنظمين في تقديم محفوظ للأجيال الجديدة من خلال الأدب والصحافة والفن والوثيقة، بدلاً من حصر الاحتفاء به في الندوات التقليدية.
محفوظ.. ذاكرة مستمرة
بعد عشرين عاماً على رحيله، لا يزال نجيب محفوظ حاضراً في القاهرة من خلال أعماله وأمكنته وشخصياته، فيما يمنح «عام نجيب محفوظ» فرصة لإعادة قراءة تجربته من زوايا متعددة.
لا تقتصر استعادة محفوظ على الاحتفاء بجائزة نوبل أو بمكانته الأدبية، بل تمتد إلى علاقته العميقة بالقاهرة وقدرته على تحويل تفاصيل الحياة اليومية إلى سرد أدبي تجاوز حدود المكان والزمان.
تضع الفعاليات الجديدة أعماله أمام جيل مختلف من القراء، وتعيد طرح السؤال حول قدرة الأدب على حفظ ذاكرة المدن والمجتمعات بعد رحيل أصحابها.