وصلت منظمة أطباء بلا حدود إلى بيروت عام 1976، بينما كانت الحرب الأهلية تحوّل المدينة إلى ساحة قتال، لتباشر فرقها علاج المصابين بالشظايا والرصاص والحروق والكسور.
اقرأ أيضاً : غارات إسرائيلية في الجنوب ومفاوضات جديدة في روما
مثّلت تلك المهمة أول تدخل طارئ للمنظمة في منطقة نزاع مسلح منذ تأسيسها عام 1971، قبل أن يتحول لبنان لاحقاً إلى أحد الميادين التي واصلت فيها أطباء بلا حدود نشاطها الطبي عبر أزمات متعاقبة.
امتدت التجربة اللبنانية لنصف قرن، وشملت الحروب والنزوح والأوبئة والانهيار الاقتصادي، مع انتقال الفرق بين مناطق مختلفة وفق حجم الاحتياجات الصحية.
من الحرب الأهلية إلى حرب 2006
أطلق العاملون الطبيون عمليات إسعاف خلال الحرب الأهلية، قبل الانتقال بعد انتهائها إلى برامج أكثر استقراراً.
دعم الفريق الطبي مستوصف بئر حسن في الضاحية الجنوبية لبيروت، مقدماً العلاج والاستشارات السابقة للولادة للفلسطينيين واللبنانيين والنازحين من جنوب البلاد نتيجة الاحتلال الإسرائيلي.
رافق ذلك مساندة الخدمات الجراحية المخصصة لجرحى الحرب في المناطق الجنوبية.
انتقلت الأنشطة لاحقاً إلى عكار قرب الحدود السورية، وإلى جزين، حيث قُدمت خدمات طبية عاجلة خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان.
اندلعت حرب جديدة عام 2006، ووجد المدنيون أنفسهم أمام صعوبة في الحصول على الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، بعد تضرر الطرق وفرض حصار جوي وبحري.
لجأت المنظمة آنذاك إلى البحر لتجاوز صعوبة الوصول، بالتعاون مع «غرينبيس»، ونقلت 75 طناً من المستلزمات من قبرص إلى بيروت عبر ممر آمن.
اقرأ أيضاً : تشريع الإعلام في لبنان.. تحديث يواجه إشكالية المادة 104
الصحة النفسية في قلب التدخل
افتُتح عام 2008 مركز للصحة النفسية في برج البراجنة قرب مخيم فلسطيني كبير في بيروت، ليشكل بداية الوجود الدائم للمنظمة داخل البلاد.
وفر المركز خدمات نفسية وطبية نفسية، وساعد على إدماج هذا النوع من العلاج ضمن المرافق الصحية القائمة.
توسعت البرامج بعد اندلاع الحرب السورية، مع وصول مئات آلاف اللاجئين إلى لبنان.
قدمت الفرق مستلزمات طبية عاجلة لمراكز قريبة من الحدود السورية، وأطلقت برنامجاً للدعم النفسي في وادي خالد.
شهد عام 2013 توسعاً إضافياً للأنشطة في طرابلس وسهل البقاع وبيروت وصيدا، حيث شملت الخدمات اللاجئين السوريين، والفلسطينيين المقيمين في لبنان، والأسر اللبنانية الأكثر احتياجاً، والأشخاص العائدين من سوريا.
لم تقتصر الخدمات على الحالات الطارئة، بل شملت الأمراض الحادة والمزمنة، والعلاج النفسي، والصحة الجنسية والإنجابية، ورعاية النساء والأطفال، والإحالات التخصصية، والخدمات الاستشفائية في بر الياس وزحلة الحكومي.
أُنشئ كذلك في مستشفى رفيق الحريري الجامعي مركز لرعاية الأم والطفل وفق نموذج يعتمد على القبالة القانونية.
أزمات صحية متلاحقة
دخل النظام الصحي اللبناني مرحلة ضغط شديد منذ 2019، بالتزامن مع تراجع قدرة شرائح واسعة على تحمل تكاليف العلاج.
ضاعفت جائحة كوفيد-19 العبء على المستشفيات والمراكز الصحية، قبل أن يفاقم انفجار مرفأ بيروت في أغسطس/آب 2020 الحاجة إلى الرعاية الطبية والدعم النفسي.
حوّلت المنظمة مستشفاها في بر الياس بسهل البقاع إلى منشأة مخصصة لعلاج المصابين بالفيروس، كما دعمت مركز عزل في سبلين جنوب البلاد.
ظهر وباء الكوليرا عام 2022 للمرة الأولى في لبنان منذ قرابة ثلاثة عقود، فأنشأت الفرق وحدات متخصصة للعلاج في بر الياس وعرسال، إضافة إلى نقاط إماهة في طرابلس وبيروت وبر الياس وعرسال.
رافقت تلك الخطوة حملات توعية بشأن الوقاية ومكافحة العدوى، وتوزيع مواد النظافة، والمشاركة في حملة التطعيم الوطنية من خلال فرق منزلية في شمال وشمال شرق البلاد.
واجه كثير من المرضى في الوقت نفسه مشكلات أخرى، أبرزها توقف الأدوية والعلاجات، والنزوح، وارتفاع أسعار الخدمات الطبية.
التصعيد الإسرائيلي والنزوح
تزايدت الاحتياجات الصحية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 مع تجدد العمليات العسكرية والقصف الإسرائيلي، وما نتج عنه من حركة نزوح واسعة.
نشرت أطباء بلا حدود وحدات متنقلة في النبطية، وعالجت الإصابات الخطيرة، كما دربت العاملين الصحيين على الاستجابة لحالات الإصابات الجماعية.
قدمت الفرق العلاج للمصابين في مخيم عين الحلوة، ثم وسعت انتشارها إلى 22 فريقاً متنقلاً في بيروت وجبل لبنان وبعلبك-الهرمل وعكار.
ومع تصعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان في 2 مارس/آذار 2026، فعّلت المنظمة استجابة طارئة على مستوى البلاد، مع تركيز خاص على المناطق الجنوبية.
تضمنت المساندة توفير الوقود والمستلزمات، ودعم المستشفيات التي تستقبل الجرحى، وتشغيل وحدات متنقلة لتقديم الخدمات للنازحين.
نسقت الفرق كذلك مع وزارة الصحة العامة لمساندة المستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، خصوصاً في المناطق التي تواجه ضغطاً متزايداً على قدراتها.
الدعم النفسي عن بُعد
أفرزت سنوات الحرب والنزوح آثاراً لا تظهر دائماً في غرف الطوارئ، إذ واجه كثير من السكان الخوف والقلق وصعوبة التكيف مع ظروف عدم الاستقرار.
أطلقت المنظمة لهذا السبب خطاً هاتفياً يوفر دعماً نفسياً عن بُعد للأشخاص الذين يحتاجون إلى مساندة متخصصة.
جمع هذا المسار بين العلاج الجسدي والرعاية النفسية، في محاولة للتعامل مع تبعات الأزمات بصورة أكثر شمولاً.
خمسة عقود من الخدمة
اعتمدت أطباء بلا حدود خلال نصف قرن على معيار الاحتياج الطبي في تحديد المستفيدين من برامجها، دون تمييز بين اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، والعمال المهاجرين، واللبنانيين المتضررين من الحرب أو الأزمات الاقتصادية.
تبدلت طبيعة الاحتياجات من مرحلة إلى أخرى؛ فبينما كانت إصابات القتال محور العمل في سبعينيات القرن الماضي، برزت لاحقاً قضايا النزوح والأمراض المزمنة والصحة النفسية والأوبئة وصعوبة تحمل تكاليف العلاج.
تواصل المنظمة نشاطها في لبنان عبر برامج طبية واستجابات طارئة، في ظل استمرار الضغوط على القطاع الصحي وتعدد الأزمات التي تواجه السكان.
وبعد خمسين عاماً من أول مهمة لها في بيروت، يبقى حضور أطباء بلا حدود مرتبطاً بالاحتياجات الميدانية، من ساحات القتال إلى المستشفيات ومراكز الرعاية والمناطق التي تستضيف النازحين.