واشنطن وطهران بعد الستين يوماً.. تفاوض أم تصعيد؟

وكالة أنباء آسيا

2026.08.17 - 20:37
Facebook Share
طباعة

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من عدم اليقين مع انتهاء مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم المعروفة باسم «مذكرة إسلام آباد»، من دون أن يتمكن الطرفان من تحويل التفاهم المؤقت إلى اتفاق نهائي يعالج الملفات الأساسية بينهما.

اقرأ أيضاً:هجمات وتهديدات تربك الملاحة في مضيق هرمز

 

ويأتي ذلك وسط خطاب سياسي متناقض من الجانبين. ففي الوقت الذي تحدث فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن ضرورة أن ترفع إيران «الراية البيضاء» وتعلن الاستسلام، قال في الوقت نفسه إنه لا يتعامل مع الملف وفق جدول زمني ضاغط، وإنه ليس في عجلة من أمره، كاشفاً عن استمرار قناة اتصال خلفية مع مسؤولين في الحرس الثوري الإيراني.

 

أما طهران، فتتعامل مع انتهاء المهلة باعتباره نهاية فترة زمنية للتفاوض وليس إعلاناً تلقائياً عن عودة الحرب، مع تأكيدها في المقابل استعداد قواتها المسلحة لمواجهة أي تصعيد، ورفضها الدخول في مفاوضات تحت التهديد أو وفق مواعيد تفرضها واشنطن.


ماذا كانت تتضمن مذكرة إسلام آباد؟

 

لم تكن مهلة الستين يوماً مخصصة لصياغة تفاهم أولي، وإنما حددت إطاراً زمنياً للتفاوض على التفاصيل التي بقيت معلقة في مذكرة التفاهم، وصولاً إلى اتفاق نهائي.

 

وتشمل الملفات الرئيسية مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآلية التعامل مع العقوبات الأمريكية، ومصير الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز وخطة اقتصادية واسعة لإعادة الإعمار والتنمية في إيران.

 

وتنص المذكرة على التزام الطرفين بالتفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي خلال مدة لا تتجاوز 60 يوماً، مع إمكانية تمديدها بموافقة مشتركة.

 

كما لم تتضمن الوثيقة اتفاقاً على تفكيك البرنامج النووي الإيراني أو وقف عمليات التخصيب بصورة فورية، بل نصت على إعادة تأكيد طهران عدم سعيها إلى امتلاك سلاح نووي، والتفاوض بشأن مصير مخزون المواد المخصبة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

اقرأ أيضاً:صفقة ضخمة لصواريخ توماهوك وسط ضغوط المخزون الأمريكي

 


هرمز والعقوبات في قلب الخلاف

كان مضيق هرمز أحد أكثر الملفات حساسية في التفاهم، إذ تعهدت إيران ببذل أقصى جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية خلال فترة محددة، فيما التزمت واشنطن بإنهاء الحصار البحري وإجراء ترتيبات مرتبطة بالملاحة مع إيران وسلطنة عُمان ودول الخليج.

 

لكن الخلافات حول المضيق تحولت لاحقاً إلى إحدى نقاط الاحتكاك الرئيسية بين الطرفين.

 

وتقول طهران إن واشنطن لم تلتزم بجزء من التفاهمات المتعلقة بالمسار البحري، بينما تتمسك الولايات المتحدة بحرية الملاحة وترفض أي إجراءات إيرانية تحد من حركة السفن عبر المضيق.

 

اقتصادياً، تضمن التفاهم أيضاً العمل على خطة لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، إلى جانب إنهاء العقوبات والسماح باستخدام جزء من الأصول الإيرانية المجمدة.

 

لكن هذه الترتيبات بقيت إلى حد كبير رهينة بالتقدم السياسي في الملفات الأخرى.

 


التصعيد العسكري قطع الطريق

 

شهدت المرحلة الأولى من التفاهم نشاطاً دبلوماسياً وفنياً مكثفاً، مع عقد جولات مباحثات في سويسرا والدوحة بمشاركة وسطاء إقليميين.

 

وبدأت المفاوضات بإشارات إلى إمكانية تحقيق تقدم تدريجي، قبل أن تتعرض العملية لضربة كبيرة مع اندلاع مواجهة عسكرية جديدة مطلع تموز، ترافقت مع ضربات متبادلة وتشدد في المواقف السياسية.

 

وزاد القرار الأمريكي المتعلق بإلغاء الإعفاءات النفطية وتشديد القيود على التعامل مع صادرات النفط الإيرانية من صعوبة استعادة الثقة بين الطرفين، في وقت تبادلت فيه واشنطن وطهران الاتهامات بشأن عدم الالتزام ببنود التفاهم.

 

وبذلك انتهت المهلة الزمنية من دون حسم القضايا التي كان يفترض أن تشكل أساس الاتفاق النهائي.

 


وسطاء يحاولون إبقاء القناة مفتوحة

رغم تعثر المسار، لم تختف القنوات الدبلوماسية بالكامل.

 

وتواصل باكستان وسلطنة عُمان جهود الوساطة ونقل الرسائل بين الطرفين، في محاولة لمنع انهيار التفاهم بصورة كاملة وإبقاء المجال مفتوحاً أمام استئناف المفاوضات.

 

وتتعامل طهران مع أي تمديد محتمل باعتباره مشروطاً بعودة واشنطن إلى التزاماتها السابقة ورفع القيود الاقتصادية، بينما تواصل الإدارة الأمريكية الضغط على إيران للحصول على تنازلات أوسع.

 

وهذه الفجوة تجعل الحديث عن اتفاق سريع أمراً صعباً، لكنها في الوقت نفسه تفسر استمرار الاتصالات غير المباشرة، إذ يبدو أن كلا الطرفين لا يزال يرى كلفة الانزلاق إلى مواجهة شاملة أعلى من كلفة إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.


ثلاثة مسارات أمام الأزمة

 

السيناريو الأول يتمثل في إعادة تشغيل المفاوضات وتمديد التفاهم، ولو بصورة جزئية، عبر الاتفاق أولاً على ملفات أقل تعقيداً، مثل الملاحة في مضيق هرمز، وتأجيل الملفات النووية والاقتصادية الأكثر حساسية إلى مرحلة لاحقة.

 

ويعزز هذا الاحتمال استمرار تحركات الوسطاء ونقل الرسائل بين واشنطن وطهران، رغم عدم تسجيل اختراق واضح حتى الآن.

 

أما السيناريو الثاني فيتمثل في عودة واشنطن إلى سياسة الضغط الاقتصادي بصورة أشد، مع توسيع العقوبات والقيود على صادرات النفط والقطاع المالي الإيراني، بالتوازي مع إبقاء الخيار العسكري حاضراً في الخطاب الأمريكي.

 

وترى طهران أن مثل هذا المسار يمثل محاولة لتعويض ما تعتبره واشنطن فشلاً في تحقيق أهدافها العسكرية بالضغط الاقتصادي، بينما تراهن الولايات المتحدة على أن تزايد الأعباء الاقتصادية قد يدفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات أكبر.

 

أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فهو العودة إلى مواجهة طويلة ومتقطعة، تتضمن ضربات متبادلة واحتكاكات في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، بما فيها الخليج والعراق ولبنان، مع إمكانية دخول أطراف مرتبطة بالصراع على خط المواجهة.

 

اقرأ أيضاً:ما حقيقة سيطرة القوات الحكومية على البرح غربي تعز؟


لا حرب ولا اتفاق

 

انتهاء مهلة الستين يوماً لا يعني بالضرورة انهيار مذكرة التفاهم، كما أنه لا يمثل إعلاناً تلقائياً عن استئناف الحرب.

 

الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو استمرار حالة «لا حرب ولا اتفاق»، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة واستخدام الضغط الاقتصادي والعسكري كأدوات تفاوضية بالتوازي مع الوساطات الإقليمية.

 

لكن المشكلة الأساسية أن الملفات التي بقيت عالقة ليست تقنية فقط، بل ترتبط بموازين القوة ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وأمن الملاحة في الخليج، وحجم الدور الأمريكي في المنطقة.

 

ولهذا فإن تجاوز مهلة الستين يوماً لا ينهي التفاوض بقدر ما يكشف صعوبة الوصول إلى تسوية مستقرة. فواشنطن تريد اتفاقاً يمنحها ضمانات أوسع بشأن إيران، بينما تسعى طهران إلى منع تحول التفاوض إلى مسار لانتزاع تنازلات تحت الضغط.

 

وبين الرغبتين، يبقى خطر التصعيد قائماً، لكن استمرار الاتصالات غير المباشرة يشير أيضاً إلى أن باب التفاوض لم يُغلق بعد. 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 1 + 4