قلاع جبل عامل.. إرث تاريخي يصارع دمار الحرب

2026.08.14 - 13:37
Facebook Share
طباعة

تواجه قلاع جبل عامل في جنوب لبنان خطرًا متزايدًا يهدد بقاءها، بعدما تركت العمليات العسكرية أضرارًا في عدد من مواقعها، وحالت السيطرة الإسرائيلية دون الوصول إلى بعضها، بينما يفاقم الإهمال المتراكم وضع معالم أخرى نجت من ويلات الحروب على مدى قرون.

اقرأ أيضاً:كليرفيلد يواصل لقاءاته في لبنان لمتابعة اتفاق الإطار

وتحمل هذه القلاع قيمة تاريخية تتجاوز جدرانها الحجرية، إذ ارتبطت بمراحل متعاقبة من تاريخ جنوب لبنان، وشهدت مرور الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والصليبيين والقوى الإسلامية، قبل أن تتحول إلى جزء أساسي من ذاكرة سكان المنطقة وهويتهم الثقافية.

أُدرجت قلاع جبل عامل على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، في خطوة تعكس حجم التهديد الذي تواجهه هذه المواقع، وتفتح المجال أمام حشد الخبرات والدعم الدولي لإعداد خطط عاجلة للحماية والترميم.

 

خمس قلاع تختزن تاريخ الجنوب

 

تضم شبكة قلاع جبل عامل 5 قلاع رئيسية ارتبطت عبر التاريخ بأدوار عسكرية وإدارية، وشكلت نقاطًا استراتيجية لحماية الطرق والمواقع الحيوية.

شُيدت قلعة تبنين «طورون» عام 1116 في موقع استراتيجي يتحكم بالطرق التي تربط الساحل بالداخل اللبناني.

 اقرأ أيضاً:اليونيفيل تتمسك بوجودها جنوب لبنان لمنع الخروقات

 

وتتميز قلعة الشقيف «بوفور» بموقعها الحصين المطل على نهر الليطاني وسهول الجنوب، وتناوبت قوى عدة السيطرة عليها، بينها الصليبيون والأيوبيون والمماليك.

 

أما قلعة شمع، فكانت نقطة دفاعية ساحلية تربط المناطق الداخلية بالمدن البحرية، فيما حافظت قلعة الدوبية في شقرا وقلعة دير كيفا في مارون على أدوارهما ضمن شبكة المواقع التي كانت تحمي الطرق والمناطق الحيوية.

ولا تقتصر أهمية هذه المواقع على وظيفتها العسكرية، فهي تختزن طبقات من تاريخ المنطقة والحضارات التي تعاقبت عليها لأكثر من ألف عام.

 

الحرب تضرب المعالم الأثرية

 

تظهر آثار العمليات العسكرية بوضوح في عدد من المواقع.

 

في تبنين، لحقت أضرار بمناطق واسعة من البلدة المحيطة بالقلعة، ولا سيما في أطرافها الجنوبية والشرقية.

 

أما الشقيف والدوبية، فتقعان ضمن مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. وألحقت التفجيرات القريبة من قلعة الشقيف أضرارًا بأساساتها، بينما دخل الجيش الإسرائيلي إلى قلعة الدوبية في شقرا ورفع علمه فوقها.

وفي شمع، أدى الدمار إلى فقدان أجزاء كبيرة من معالمها العمرانية والأثرية.

 

أما دير كيفا، فتظل القلعة الوحيدة الخارجة عن نطاق الاحتلال المباشر، لكنها تعرضت لغارات جوية متكررة، فضلًا عن الإهمال الذي تراكم على الموقع خلال سنوات طويلة.

 

القلاع ذاكرة جماعية لأهالي الجنوب

 

يؤكد الباحث والمؤرخ في تاريخ جبل عامل علي مزرعاني أن القلاع لا تمثل مجرد أبنية تاريخية، بل تشكل جزءًا من الذاكرة الجمعية لسكان المنطقة.

 

ويرى مزرعاني أن صلة الأهالي بهذه المواقع ارتبطت بحياتهم اليومية وتنقلاتهم وعلاقتهم بالأرض، ولذلك تحولت إلى مكونات أساسية من هوية جبل عامل والجنوب اللبناني.

 

ويشير إلى أن الدعم الدولي الملموس لحماية المواقع الأثرية لا يزال دون مستوى المخاطر التي تواجهها، معتبرًا أن البيانات والمواقف الدولية تحتاج إلى ترجمة عملية على الأرض.

كما يلفت إلى أن حماية القلاع تتجاوز ترميم الأحجار والجدران، لتشمل صون الذاكرة التاريخية والثقافية للمنطقة.

 

اليونسكو تفتح نافذة للحماية

 

يمنح إدراج القلاع على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر فرصة لحشد الدعم الدولي والاستفادة من الخبرات المتخصصة، إلى جانب إعداد برامج لترميم المواقع المتضررة وتعزيز إجراءات حمايتها.

 

لكن تحويل هذا الاعتراف إلى خطوات عملية يحتاج إلى تحرك من وزارة الثقافة والحكومة اللبنانية، وتأمين الموارد المالية والفنية اللازمة لتنفيذ مشاريع الصيانة والترميم.

وتبقى السيطرة الإسرائيلية على المناطق المحيطة بقلعتي الشقيف والدوبية عقبة رئيسية أمام الوصول إليهما وتقييم الأضرار التي لحقت بهما بصورة شاملة.

 

وتقف هذه المواقع اليوم أمام معركة مختلفة عن الحروب التي عرفتها خلال تاريخها الطويل؛ فالتحدي لم يعد عسكريًا فقط، بل يرتبط أيضًا بحماية الآثار من الدمار والإهمال وضمان بقائها للأجيال المقبلة.

 

وتحمل قلاع جبل عامل قيمة تتجاوز بعدها المعماري، فهي شواهد حية على تاريخ جنوب لبنان وتنوع الحضارات التي مرت بأرضه، وحمايتها تعني الحفاظ على جزء أساسي من ذاكرة المنطقة وهويتها الثقافية.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 6