مصافي عدن.. لماذا بقيت منشأة عمرها 70 عامًا معطلة؟

2026.08.13 - 16:12
Facebook Share
طباعة

داخل مصافي عدن جنوبي اليمن، تبدو المنشأة النفطية العملاقة وكأن الزمن توقف فيها، إذ تمتد الأبراج والأنابيب والمعدات حول وحدات تكرير متوقفة منذ أكثر من عقد، بينما يواصل العمال أعمال الصيانة للحفاظ على جاهزية المنشأة.

أقرا أيضاً: غارة إسرائيلية تقتل فلسطينياً في خان يونس

 

لم تتوقف الأنشطة بالكامل، إذ استؤنف إنتاج الإسفلت بصورة محدودة، إلى جانب استمرار أعمال التخزين والخدمات اللوجستية، لكن الوظيفة الأساسية للمصفاة، المتمثلة في تكرير النفط الخام وإنتاج المشتقات على نطاق تجاري، لا تزال معطلة.

 

توقفت عمليات التكرير عام 2015، وفق المدير التنفيذي لشركة مصافي عدن، المهندس سعيد محمد بن محمد، بعد انقطاع إمدادات النفط الخام القادمة من مأرب وتفاقم المشكلات الفنية.

وثقت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إغلاق المصفاة بعد إعلان القوة القاهرة في أبريل/نيسان من العام نفسه، قبل أن تتعرض لأضرار إضافية خلال المعارك التي شهدتها المنطقة في يوليو/تموز 2015.

أقرا أيضاً:وسط الحرب .. تبادل جثامين الجنود بين روسيا وأوكرانيا

 

اعتمدت الشركة خلال سنوات التوقف بدرجة كبيرة على تأجير الخزانات وتقديم الخدمات المرتبطة بالتخزين لتغطية جزء من نفقات التشغيل ورواتب العاملين، بالتوازي مع صيانة الوحدات المتوقفة.

 

وأوضح بن محمد أن إبقاء الأنابيب والمضخات والخزانات دون صيانة لفترات طويلة يؤدي إلى زيادة معدلات التآكل وارتفاع تكاليف إعادة التأهيل، لذلك تواصل الفرق الفنية أعمال الصيانة للحفاظ على المعدات وإبقائها قابلة لإعادة التشغيل.

 

افتتحت مصافي عدن عام 1954، وتجاوز عمرها سبعة عقود، فيما مر أكثر من عشرة أعوام على توقف عمليات التكرير، ما يجعل استعادة نشاطها بحاجة إلى تقييم فني شامل يحدد حالة الوحدات ومتطلبات إصلاحها وتحديثها.

 

تُعد محطة الطاقة الكهربائية من أبرز العقبات أمام استئناف العمل، إذ لا يقتصر دورها على توفير الكهرباء، بل يشمل إنتاج البخار ومياه التبريد والهواء المضغوط، وهي مرافق أساسية لتشغيل وحدات التكرير.

 

بدأ مشروع تحديث محطة الكهرباء مسارًا عمليًا عام 2018، عندما أعلنت وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» وصول فريق من شركة شنغهاي توربين الصينية لتركيب مولدين وغلايتين بطاقة مستهدفة تبلغ 15 ميغاواط.

 

كان من المقرر تشغيل المرحلة الأولى في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، لكن المشروع لم يكتمل، ليعود الملف إلى الواجهة عام 2024 مع توجيهات حكومية بإعداد خطة عاجلة لاستكمال المحطة.

 

تجددت المساعي في يونيو/حزيران 2025، حين طُلب إعداد خطة زمنية قابلة للتنفيذ لإعادة تشغيل المصفاة، ثم تحدثت وزارة النفط في أغسطس/آب من العام نفسه عن ترتيبات مع بنوك محلية لتوفير 20 مليون دولار للمرحلة الأولى.

 

استمرت المفاوضات بشأن التمويل والترتيبات المالية وعودة الشركة الصينية، فيما قال بن محمد في يوليو/تموز 2026 إن استكمال محطة الطاقة يحتاج إلى نحو 20 إلى 25 مليون دولار.

 

وتقدر الشركة الصينية مدة الإنجاز بنحو 14 شهرًا من عودة فريقها وبدء التنفيذ، بينما يتطلب تشغيل المصفاة بكامل طاقتها استثمارات إضافية تتجاوز مشروع محطة الكهرباء.

 

لا يقتصر التعثر على الجانب الفني، وفق خبراء اقتصاديين متخصصين في النفط والغاز، إذ يرتبط كذلك بنقص التمويل ومشكلات الإدارة واتخاذ القرار، إلى جانب المصالح الاقتصادية التي نشأت حول استيراد المشتقات خلال سنوات توقف التكرير.

 

ويرى الخبراء أن إعادة تشغيل المصفاة ستؤثر في سوق الوقود وآليات الاستيراد والتخزين والتوزيع، ما يجعل الملف اقتصاديًا وسياسيًا إلى جانب أبعاده الفنية.

 

لا توجد أدلة علنية تثبت تعمد جهات مرتبطة باستيراد الوقود تعطيل المنشأة، لكن تقارير رقابية رسمية أشارت إلى مشكلات مرتبطة ببعض عقود القطاع.

 

أفادت وكالة «سبأ» في يناير/كانون الثاني 2025 بأن قضية مرتبطة بعقود مشروع محطة كهرباء مصافي عدن كانت لا تزال أمام محكمة الأموال العامة، بينما تحدث الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة عن اختلالات في عقود مع شركة صينية ضمن مشروعات تحديث بلغت قيمتها الإجمالية 180.54 مليون دولار.

 

لا تحسم هذه التقارير المسؤوليات قضائيًا، لكنها تضيف ملف الحوكمة وشفافية العقود إلى مجموعة العوائق التي تواجه إعادة تشغيل المنشأة.

 

تنعكس كلفة توقف المصفاة على الاقتصاد اليمني خارج أسوارها، إذ يستمر الاعتماد على استيراد البنزين والديزل ومشتقات أخرى، بما يزيد الطلب على العملة الأجنبية ويرفع تكاليف الشحن والتأمين والتخزين.

 

تزداد الضغوط في ظل أزمة النقد الأجنبي التي يعانيها اليمن، إذ أشار صندوق النقد الدولي في أبريل/نيسان الماضي إلى أن توقف صادرات النفط منذ عام 2022 تسبب في خسائر كبيرة للإيرادات العامة وتدفقات النقد الأجنبي، مع احتياطيات بالكاد تغطي شهرًا من الواردات الأساسية.

 

تظهر مشكلة أخرى تتعلق بتوفير الخام، فقبل الحرب كانت مصافي عدن تستحوذ على معظم طاقة التكرير اليمنية المقدرة بنحو 140 ألف برميل يوميًا، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، بينما لا يمثل الإنتاج النفطي الحالي سوى جزء محدود من هذه القدرة.

 

يكشف الفارق بين الطاقة السابقة للمصفاة وحجم الإنتاج الحالي صعوبة استعادة النشاط على نطاق واسع، فحتى تشغيل وحدة أولية بطاقة 6 آلاف برميل يوميًا يحتاج إلى إمدادات منتظمة من الخام، بينما تتطلب العودة الكاملة كميات أكبر وترتيبات مستقرة للسعر والنقل والجودة ورأس المال التشغيلي.

 

يقول مدير العلاقات العامة في مصافي عدن ناصر شائف إن الشركة كانت قبل الحرب تؤدي دورًا محوريًا في استيراد المشتقات وتحديد احتياجات السوق لأشهر مسبقًا.

 

ويرى شائف أن الجمع بين الميناء والطاقة التخزينية واستعادة التكرير يمكن أن يخفض جزءًا من تكلفة الإمدادات ويساعد في تعزيز استقرار السوق.

 

لا تعني عودة التكرير بالضرورة توقف الاستيراد أو انخفاض أسعار الوقود، إذ يرتبط ذلك بحجم الإنتاج وتكلفة الخام والتكرير وسعر الصرف والرسوم والنقل والتوزيع.

 

ويعتبر خبراء أن المكسب الأساسي يتمثل في تقليل جزء من الأموال التي تُدفع للخارج مقابل المشتقات، خصوصًا أن اليمن يصدّر الخام ثم يستورد المنتجات المكررة بالدولار مع تحمل تكاليف إضافية.

 

يمثل إنتاج الإسفلت الاستثناء الأبرز من حالة الجمود، إذ أعلنت إدارة المصفاة في يوليو/تموز 2025 خطة لتشغيل وحدتي التقطير الفراغي وإنتاج الإسفلت، بالتوازي مع استكمال وحدة صغيرة لتكرير الخام بطاقة 6 آلاف برميل يوميًا لإنتاج الديزل والمازوت.

 

وثقت وزارة النفط في يونيو/حزيران 2026 عمليات إنتاج الإسفلت، بينما أفاد شائف بأن المنتج بدأ يصل إلى أسواق في محافظات شمالية وجنوبية بعدما كان يتم استيراده من الخارج.

 

لا يعني تشغيل وحدة الإسفلت استعادة المصفاة لدورها الأساسي، إذ يظل النشاط محدودًا مقارنة بمنظومة التكرير المتكاملة التي تحتاج إلى تشغيل عدد أكبر من الوحدات والمرافق.

 

تنعكس سنوات التوقف كذلك على العاملين، إذ يقول رئيس نقابة عمال مصافي عدن سند موسى علي إن فترة الجمود أثرت في دخول الموظفين واستقرارهم الوظيفي، وأفقدتهم مزايا مرتبطة بطبيعة العمل والإنتاج، بينها بدلات المخاطر والخدمات العلاجية.

 

يقدر علي عدد متقاعدي الشركة بنحو 4 آلاف شخص، ويقول إن المصفاة لا تزال تتحمل مستحقات نحو نصفهم بسبب عدم انتقال ملفاتهم بالكامل إلى منظومة الضمان الاجتماعي.

 

تتحمل الشركة بذلك رواتب والتزامات وتكاليف صيانة لمنشأة واسعة، في وقت يغيب عنها النشاط الذي أنشئت أساسًا من أجله، وهو تكرير الخام.

 

يضع بن محمد استكمال محطة الطاقة وتوفير الخام في مقدمة خطوات العودة، مع وجود دراسات لتطوير المنشأة يرتبط تنفيذها بتوافر التمويل.

 

تحتاج المصفاة، وفق المعطيات الحالية، إلى تقييم فني محدث، وتمويل فعلي لمحطة الطاقة وأعمال التأهيل، وإمدادات خام مستقرة، إضافة إلى رأس مال تشغيلي يضمن استمرار الإنتاج بعد العودة.

 

حتى 10 أغسطس/آب 2026، لم تظهر في البيانات الرسمية التي راجعتها «الجزيرة نت» مؤشرات على اكتمال تمويل محطة الطاقة أو عودة الفريق الصيني وبدء فترة التنفيذ المقدرة بـ14 شهرًا، كما لا يزال ملف توفير الخام دون حسم.

 

تبقى مصافي عدن معلقة بين قدرة فنية تحتاج إلى التأهيل وواقع اقتصادي وسياسي ومالي يؤخر استعادة نشاطها، بينما يؤكد استمرار إنتاج الإسفلت أن المنشأة لم تتوقف بالكامل، لكن الفجوة لا تزال واسعة بين هذا النشاط المحدود وعودة المصفاة إلى العمل بطاقتها الكاملة.

 

تحتاج العودة الفعلية إلى أكثر من إعلان جديد؛ فالاختبار الحقيقي يتمثل في تأمين التمويل، وعودة المقاول، وبدء التنفيذ وفق جدول واضح، وضمان تدفق الخام بصورة مستقرة.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 2