من الإنتاج إلى الاستيراد
تدخل صناعة النسيج في سوريا مرحلة حساسة، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والرسوم، بالتزامن مع توسع سوق الألبسة الجاهزة المستوردة. ويحذر صناعيون من أن استمرار هذه المعادلة قد يدفع معامل إلى الانكماش أو التوقف، فيما يتحول بعض أصحابها إلى الاستيراد.
قطاع تراجع
كان النسيج أحد أعمدة الصناعة السورية، ومرتبطاً بقطاعات الغزل والخياطة والتجارة والتصدير. لكن الحرب وتضرر المعامل وارتفاع تكاليف التشغيل أدت إلى تراجع حاد في القطاع.
وبلغت صادرات المؤسسة العامة للصناعات النسيجية نحو 194.8 مليون دولار عام 2010، قبل أن تتراجع بعد 2011، وسجل القطاع العام خسائر بنحو 135 مليون دولار عام 2013.
ضغط الاستيراد
يرى صناعيون أن المشكلة تكمن في تفاوت شروط المنافسة بين المنتج المحلي والمستورد. ويشيروا إلى أن الرسم المفروض على الألبسة الجاهزة المستوردة، والمقدر بنحو 4 دولارات للكيلوغرام، لا يوفر حماية كافية للصناعة المحلية، التي تتحمل أعباء العمالة والطاقة والضرائب وتقلبات سعر الصرف.
ويضيفوا إن الرسوم تصل في مصر إلى نحو 8.5 دولارات للكيلوغرام، بينما تبلغ على الألبسة التركية في لبنان نحو 6.5 دولارات، معتبرين أن هذه السياسات ساعدت المنتج المحلي. وفي مصر، ارتفعت صادرات الصناعات النسيجية 15% خلال النصف الأول إلى نحو 1.78 مليار دولار.
المواد الأولية
تزيد الرسوم المفروضة على الأقمشة والأزرار والسحابات وغيرها من مستلزمات الإنتاج الضغط على المصانع. وتبلغ الرسوم السورية على المواد الأولية النسيجية نحو 1.1 دولار للكيلوغرام، مقابل رسوم أقل في مصر وإعفاءات في لبنان، ما يرفع كلفة المنتج النهائي ويضعفه أمام المنافسة.
كلفة التصنيع
وبحسب الصناعيون ، بات بعض الصناعيين يفضلون إرسال منتجات جاهزة من مصانعهم في مصر إلى السوق السورية بدلاً من تصنيعها محلياً. وبعدما كانت كلفة الإنتاج في سوريا أقل من مصر بنحو 30% عام 2022، أصبحت أعلى بنحو 30% خلال 2025 و2026، بفعل تقلبات الصرف وارتفاع الأجور والطاقة والضرائب.
إصلاحات وحلول
تتضمن الإجراءات الحكومية الجديدة تخفيضات وإعفاءات ضريبية، ونظاماً ضريبياً بنسبة 10%، مع تخصيص 25% من حصيلة ضريبة المبيعات لدعم الصناعة والتصدير. لكن الصناعيين يتوقعون أن يظهر أثر هذه السياسات تدريجياً، ربما في 2027 و2028.
ويرى خبراء في ميدان الجمارك أن الحل يبدأ بإعفاء المواد الأولية من الرسوم وخفض رسوم المرافئ على الخيوط المستوردة، مشيرين إلى زيادة تقارب 60 يورو على الحاوية. كما يطالب الصناعيون برفع رسوم الألبسة الجاهزة وخفض كلفة مستلزمات الإنتاج.
صناعة أم تجارة؟
المعادلة التي تواجهها صناعة النسيج السورية باتت واضحة: إما خفض كلفة الإنتاج وتوفير حماية مدروسة للمنتج المحلي، أو استمرار توسع الاستيراد على حساب التصنيع.
وبينما تملك سوريا قاعدة صناعية وخبرات متراكمة يمكن البناء عليها، فإن مستقبل القطاع سيتوقف بدرجة كبيرة على سرعة تحويل الوعود الحكومية إلى سياسات جمركية وضريبية قادرة على جعل الإنتاج المحلي خياراً اقتصادياً منافساً، لا عبئاً يفوق قدرة أصحاب المعامل. لا يقتصر الخطر على توقف المعامل، بل يمتد إلى تحول الصناعيين من الإنتاج إلى التجارة، بما يعني خسارة وظائف وخبرات وسلاسل توريد وقدرات تصديرية. وفي المقابل، تسعى الحكومة السورية إلى دعم القطاع بالشراكة مع القطاع الخاص، فيما يطالب الصناعيون بسياسات تجعل الإنتاج المحلي أكثر قدرة على المنافسة.