هزيمة أيباك بميشيغان... رسالة تتجاوز حدود الولاية

بقلم: خضر عواركة – وكالة أنباء آسيا

2026.08.05 - 18:28
Facebook Share
طباعة

لم تكن نتائج الانتخابات التمهيدية في ولاية ميشيغان مجرد منافسة محلية على مقعد في مجلس الشيوخ، بل حملت دلالات سياسية أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ الذي تمارسه جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، داخل الحياة السياسية الأمريكية.
على مدى سنوات طويلة، نجحت أيباك وحلفاؤها في توظيف موارد مالية وإعلامية ضخمة للتأثير في الانتخابات، ودعم مرشحين يتبنون مواقف منسجمة مع سياسات الحكومة الإسرائيلية، بغض النظر عن الحزب الذي ينتمون إليه. وقد أدى ذلك، في نظر منتقديها، إلى تضييق هامش النقاش داخل السياسة الأمريكية بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.


لكن الانتخابات التمهيدية الأخيرة في ميشيغان أظهرت أن المال السياسي لم يعد العامل الوحيد القادر على حسم النتائج. فقد تمكن مرشح حظي بدعم واسع من القواعد الشعبية، ومن الناخبين العرب والمسلمين والتقدميين، من الصمود أمام حملة انتخابية مكلفة دعمتها جهات مؤيدة لإسرائيل.


وتكتسب ميشيغان أهمية خاصة لأنها تضم واحدة من أكبر الجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، وهي جالية لعبت دورًا متزايدًا في الحياة السياسية خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد الحرب في غزة، التي دفعت كثيرًا من الناخبين إلى إعادة تقييم مواقف المرشحين من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
والمفارقة اللافتة أن نسبة مشاركة الناخبين العرب والمسلمين لم تكن، وفق تقديرات عدد من المراقبين، بالمستوى الذي كان متوقعًا قبل الانتخابات. ويرى بعض المحللين أن جزءًا من هذا التراجع قد يعود إلى شعور بعض الناخبين بالقلق من الانخراط العلني في نشاط سياسي مرتبط بمواقفهم من الحرب في غزة والسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، خشية التعرض لضغوط اجتماعية أو مهنية أو لمشكلات أمنية أو قانونية. وفي المقابل، برز عامل حاسم تمثل في تصويت أعداد كبيرة من الديمقراطيين التقدميين ومن ناخبين لا ينحدرون من أصول عربية أو إسلامية، ممن تبنوا مواقف ناقدة للسياسات الإسرائيلية ولتأثير جماعات الضغط على القرار السياسي. وهذا يعني أن الاعتراض على نفوذ أيباك لم يعد قضية تخص العرب والمسلمين وحدهم، بل أصبح يحظى بتأييد قطاع متزايد من الأمريكيين من خلفيات متنوعة.


واللافت أيضًا أن التحولات لم تعد مقتصرة على الناخبين العرب أو المسلمين أو التيار التقدمي، بل امتدت إلى شريحة متزايدة من الناخبين اليهود الذين باتوا يعارضون سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية أو يرفضون أن تكون أصواتهم السياسية محسومة سلفًا وفق توجهات جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل. وقد أثار هذا التحول قلق شخصيات بارزة من المدافعين عن إسرائيل، من بينهم المحامي الأمريكي آلان ديرشوفيتز، المعروف بدفاعه المستمر عن إسرائيل، والذي عُرف أيضًا بتمثيله القانوني لجيفري إبستين في مراحل من قضيته. وقد عبّر ديرشوفيتز في أكثر من مناسبة عن استيائه منص تصويت بعض اليهود الأمريكيين لمرشحين ينتقدون سياسات إسرائيل، معتبرًا أن القاعدة الانتخابية اليهودية لم تعد مضمونة كما كانت في السابق.


ولا تعني هذه النتائج نهاية نفوذ أيباك، فهي لا تزال من أكثر جماعات الضغط تأثيرًا في واشنطن، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات السياسية والتمويل. لكنها تشير إلى أن هذا النفوذ بات يواجه تحديات أكبر من السابق، وأن الناخبين أصبحوا أكثر استعدادًا للتصويت وفقًا لقناعاتهم حتى في مواجهة الحملات الإعلانية المكلفة.


كما تعكس الانتخابات تحولًا داخل الحزب الديمقراطي، حيث يزداد نفوذ التيار التقدمي الذي يطالب بسياسة أمريكية أكثر توازنًا تجاه الفلسطينيين والإسرائيليين، وبإخضاع المساعدات العسكرية لإسرائيل لمعايير القانون الدولي وحقوق الإنسان.


وقد تمتد آثار هذه النتائج إلى انتخابات قادمة في ولايات أخرى، إذ ستراقب الأحزاب وجماعات الضغط ما إذا كان نموذج ميشيغان يمثل حالة استثنائية أم بداية لتحول أوسع في المزاج الانتخابي الأمريكي.


وبغض النظر عن اختلاف المواقف السياسية، فإن الرسالة الأبرز التي حملتها هذه الانتخابات هي أن تأثير المال السياسي، مهما كان كبيرًا، لم يعد قادرًا وحده على توجيه إرادة الناخب الأمريكي. كما أنها أظهرت أن الانتقادات الموجهة لسياسات الحكومة الإسرائيلية ونفوذ جماعات الضغط المؤيدة لها لم تعد محصورة بمجتمعات عربية أو إسلامية، بل أصبحت جزءًا من نقاش أمريكي داخلي يشارك فيه ديمقراطيون وتقدميون ويهود وغيرهم من مختلف الخلفيات. وإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يشكل نقطة تحول في طبيعة العلاقة بين الرأي العام الأمريكي والسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 10