بحسب معلومات متقاطعة من مصادر عسكرية، أصدرت وزارة الدفاع السورية توجيهات برفع مستوى الجاهزية إلى الحد الأقصى، مع استدعاء العناصر إلى ثكناتهم وإلغاء الإجازات، في خطوة تزامنت مع تعزيزات وتحركات ميدانية في عدد من المحافظات، ولا سيما في المنطقة الشرقية.
كما شملت التعليمات تشديد الإجراءات الأمنية المتعلقة بتحركات الوحدات العسكرية، مع منع تصوير الأرتال والمنشآت العسكرية، في مؤشر على رغبة المؤسسة العسكرية في الحد من تداول معلومات قد تكشف طبيعة الانتشار أو أهدافه خلال هذه المرحلة.
وأفادت مصادر ميدانية بأن تعزيزات عسكرية اتجهت نحو عدد من النقاط الحدودية مع العراق، بينها معبرا القائم واليعربية، بالتزامن مع انتشار وحدات إضافية لتأمين الشريط الحدودي، دون صدور إعلان رسمي يوضح طبيعة المهمة أو مدتها.
فرضيات متعددة وراء القرار
ورغم غياب تفسير رسمي للاستنفار، تتداول الأوساط الأمنية والسياسية أكثر من فرضية لتفسير الخطوة، أبرزها ارتباطها بتطورات الحدود الشرقية، في ظل معلومات عن رصد تحركات لفصائل عراقية مسلحة قرب الشريط الحدودي، وهو ما دفع دمشق، وفق مصادر سياسية، إلى تكثيف اتصالاتها مع بغداد لتأكيد ضرورة منع أي نشاط عسكري قد ينطلق من الأراضي العراقية باتجاه سوريا.
في المقابل، أكد مسؤولون عراقيون أن الأوضاع على الحدود ما زالت مستقرة، مشيرين إلى استمرار التنسيق الأمني وتبادل المعلومات بين قوات البلدين، مع نفي وجود مؤشرات على تهديد مباشر يستوجب إجراءات استثنائية من الجانب العراقي.
ورغم هذا النفي، يرى مراقبون أن دمشق ربما فضلت اعتماد سياسة الاحتياط الاستباقي، خصوصاً أن الحدود الممتدة بين البلدين شهدت خلال السنوات الماضية نشاطاً متكرراً لفصائل مسلحة، ما يجعل أي تحرك غير اعتيادي موضع متابعة أمنية دقيقة.
المفاوضات مع "قسد" في واجهة المشهد
إلى جانب الاعتبارات الحدودية، تبرز فرضية ثانية تربط الاستنفار بمسار المفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، والتي تمر بمرحلة توصف بالحساسة بعد تباطؤ تنفيذ التفاهمات السابقة المتعلقة بدمج المؤسسات العسكرية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة.
وتشير مصادر مطلعة إلى أن بعض الاجتماعات السياسية التي كانت مرتقبة لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، وسط استمرار الخلافات بشأن آليات تنفيذ الاتفاقات السابقة، وهو ما دفع المؤسسة العسكرية إلى رفع جاهزيتها تحسباً لأي تطورات ميدانية قد ترافق تعثر المسار السياسي.
وتؤكد المصادر أن القيادة السورية تسعى إلى الحفاظ على هامش واسع من الجاهزية العسكرية بالتوازي مع استمرار الحوار، بما يضمن عدم تحول الخلافات السياسية إلى وقائع ميدانية جديدة في مناطق شمال شرقي البلاد.
رسائل داخلية وإقليمية
ويرى محللون أن توقيت الاستنفار يحمل أكثر من رسالة، فهو يوجه إشارة داخلية تؤكد استعداد الجيش للتعامل مع أي طارئ أمني، وفي الوقت نفسه يبعث برسائل إلى الأطراف الإقليمية بأن دمشق تراقب بدقة التحركات على حدودها ولن تتهاون مع أي تهديد محتمل لأمنها.
كما يأتي ذلك في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في المشهد الإقليمي، حيث تتقاطع ملفات الحدود السورية العراقية مع قضايا أمنية أوسع، تشمل مكافحة تنظيم داعش، وضبط حركة السلاح، ومنع تحول المناطق الحدودية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الفاعلين الإقليميين.
ويشير مراقبون إلى أن القيادة السورية تحاول من خلال هذه الإجراءات الحفاظ على توازن دقيق بين استمرار الانخراط في المسارات السياسية من جهة، وإظهار الجاهزية العسكرية الكاملة من جهة أخرى، بما يمنحها قدرة أكبر على إدارة أي تطورات مفاجئة قد تفرضها الظروف الأمنية في المرحلة المقبلة.