18 عاماً من التحالفات... لماذا بقي باب المندب خارج معادلة الاستقرار؟

2026.08.05 - 09:38
Facebook Share
طباعة

تحول مضيق باب المندب خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أكثر الممرات البحرية حساسية على مستوى العالم، بعدما انتقل من مواجهة خطر القرصنة قبالة السواحل الصومالية إلى التعامل مع تهديدات أكثر تعقيداً، أبرزها الهجمات التي تنفذها جماعة الحوثيين ضد السفن التجارية والعسكرية في البحر الأحمر. ورغم تعدد التحالفات والعمليات البحرية الدولية، لا تزال المنطقة تواجه تحديات أمنية متصاعدة، ما يثير تساؤلات بشأن فعالية هذه التحالفات في تحقيق أمن مستدام.

 

وتزامن تجدد النقاش حول أمن الممر الملاحي مع إعلان الحوثيين، الثلاثاء، استهداف "هدف حساس" في مطار نجران جنوب السعودية بطائرة مسيرة، في تطور يعكس استمرار اتساع دائرة التوتر في المنطقة، بالتوازي مع التحركات الإقليمية والدولية لإنشاء تحالفات بحرية جديدة لحماية الملاحة.

 

ممر استراتيجي يربط ثلاث قارات:

 

يُعد باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل ممراً رئيسياً لتجارة النفط والغاز والبضائع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

 

وتعتمد حركة التجارة العالمية بصورة كبيرة على هذا المضيق، ما جعل أي اضطراب أمني فيه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية، وهو ما دفع قوى دولية وإقليمية إلى تعزيز وجودها العسكري في المنطقة منذ سنوات.

 

القرصنة... بداية التدخل الدولي

 

بدأ الاهتمام الدولي المكثف بالمنطقة مع تصاعد عمليات القرصنة قبالة السواحل الصومالية خلال العقد الأول من الألفية، إذ تحولت سفن الشحن إلى أهداف متكررة لجماعات مسلحة استغلت انهيار الدولة في الصومال.

 

ودفع ذلك الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق عملية "أتالانتا" عام 2008، تبعتها قوة المهام المشتركة CTF-151 عام 2009، ثم عملية "درع المحيط" التابعة لحلف شمال الأطلسي، والتي استمرت حتى عام 2016 وأسهمت في الحد من نشاط القراصنة.

 

التهديدات تتغير... والحوثيون يتصدرون المشهد

 

بعد تراجع القرصنة، برزت تهديدات جديدة مع تصاعد نفوذ الحوثيين في اليمن منذ عام 2014، وسيطرتهم على مناطق مطلة على البحر الأحمر، الأمر الذي منح الجماعة قدرة أكبر على استهداف السفن العابرة للممر الملاحي.

 

تفاقمت المخاطر مع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، ما جعل التهديد أكثر تعقيداً مقارنة بعمليات القرصنة التقليدية، ودفع عدداً من الدول إلى إعادة نشر قواتها البحرية في المنطقة.

 

تحالفات متعاقبة... وأهداف متشابهة

 

شهد باب المندب سلسلة من المبادرات والتحالفات الدولية والإقليمية، أبرزها:

2008: إطلاق عملية أتالانتا الأوروبية لمكافحة القرصنة.

2009: إنشاء قوة المهام المشتركة CTF-151.

2009 - 2016: عملية درع المحيط التابعة لحلف الناتو.

2019: تشكيل التحالف الدولي لأمن الملاحة البحرية بقيادة الولايات المتحدة.

2020: إنشاء مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن.

2023: إطلاق عملية حارس الازدهار بقيادة الولايات المتحدة بعد تصاعد الهجمات الحوثية.

2024: إطلاق الاتحاد الأوروبي عملية أسبيدس لحماية السفن التجارية.

2026: إعلان السعودية مبادرة لتشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بدعم 14 دولة.


ورغم هذا التوسع في التحالفات، بقيت المنطقة تشهد هجمات متكررة على السفن، ما يعكس استمرار التحديات الأمنية.

 

لماذا لم تحقق التحالفات أهدافها؟

 

يرى مراقبون أن جذور الأزمة لا ترتبط فقط بالقدرات العسكرية، بل بضعف الدولة الوطنية في عدد من الدول المطلة على البحر الأحمر، إضافة إلى الفقر وغياب التنمية وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة.

 

وأكدوا أن انهيار مؤسسات الدولة في الصومال، ثم الحرب في اليمن وسيطرة الحوثيين على مناطق ساحلية، وفرا بيئة مواتية لظهور تهديدات مستمرة للملاحة الدولية، في وقت أخفقت فيه الدول العربية في بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة قادرة على إدارة هذا الملف.

 

تحالفات دولية أكثر منها إقليمية:

 

أغلب المبادرات الأمنية في البحر الأحمر جاءت بقيادة قوى دولية، بينما بقي الحضور الإقليمي محدوداً، الأمر الذي حدّ من قدرة هذه التحالفات على بناء حلول طويلة الأمد.

 

ويشير البعض إلى أن عمليات مثل "حارس الازدهار" ركزت على احتواء التهديدات المباشرة أكثر من معالجة أسبابها، وأن أي مقاربة أمنية ستظل محدودة ما لم تترافق مع استقرار سياسي واستعادة مؤسسات الدولة في الدول المشاطئة.

 

التحالف السعودي... هل يغيّر المعادلة؟

 

أعادت المبادرة السعودية الأخيرة الخاصة بتشكيل تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات النقاش حول إمكانية بناء إطار أمني أكثر فاعلية، خاصة مع مشاركة 43 دولة في الاجتماعات التمهيدية وإعلان 14 دولة دعمها للمبادرة.

 

لكن مراقبين يرون أن نجاح هذا التحالف سيظل مرتبطاً بقدرته على الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى العمل العملياتي، إضافة إلى تنسيق الجهود مع الدول المشاطئة التي تمتلك المصلحة المباشرة في حماية الملاحة.

 

أمن باب المندب... بين الجغرافيا والسياسة

 

تؤكد التطورات المتلاحقة أن باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري لتجارة الطاقة والبضائع، بل أصبح ساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية والعسكرية والاقتصادية للقوى الإقليمية والدولية.

 

وبينما نجحت التحالفات المتعاقبة في الحد من بعض مصادر التهديد خلال مراحل مختلفة، فإن استمرار النزاعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد الفاعلين المسلحين، أبقى الممر الاستراتيجي عرضة لموجات متكررة من التوتر، ما يجعل أمنه رهناً بمعالجة جذور الأزمات السياسية والأمنية، وليس فقط بتكثيف الوجود العسكري في مياهه.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9