كشفت وكالة رويترز، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن الجيش الأمريكي استهلك معظم مخزونه من الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة خلال الحرب التي اندلعت مع إيران قبل خمسة أشهر، في تطور يثير مخاوف داخل الدوائر العسكرية الأمريكية بشأن جاهزية القوات المسلحة لمواجهة أي صراعات واسعة محتملة في المستقبل، خصوصاً في ظل استمرار التوترات في أكثر من ساحة حول العالم.
وبحسب المصادر، اعتمدت الولايات المتحدة بصورة كبيرة على الضربات بعيدة المدى لتقليل المخاطر على قواتها، الأمر الذي أدى إلى استهلاك كميات ضخمة من الذخائر الدقيقة، وفي مقدمتها أنظمة صواريخ الجيش التكتيكية (ATACMS) وصواريخ الضربات الدقيقة (Precision Strike Missile - PrSM)، وهما من أحدث الأسلحة البرية بعيدة المدى في الترسانة الأمريكية والمخصصة لتدمير مراكز القيادة ومنظومات الدفاع الجوي ومستودعات الذخيرة والأهداف العسكرية المحصنة.
وأكد مصدران لرويترز أن الجيش الأمريكي استخدم "تقريباً جميع" الصواريخ من هذين الطرازين خلال العمليات العسكرية، فيما امتنعت المصادر عن الكشف عن حجم المخزون المتبقي، لأسباب تتعلق بحساسية المعلومات العسكرية. وأشارت الوكالة إلى أن هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها الحديث عن استنزاف معظم مخزون صواريخ ATACMS وPrSM، وهو ما يعكس حجم العمليات التي نُفذت ضد إيران خلال الأشهر الماضية.
جاء هذا التطور بعد سلسلة من التقارير التي تحدثت عن تراجع مخزون الذخائر الأمريكية نتيجة الاستخدام المكثف في الحرب، إذ سبق أن حذرت تقديرات عسكرية من أن الاعتماد المتزايد على الصواريخ الدقيقة يفرض ضغوطاً كبيرة على خطوط الإنتاج، في وقت تتزايد فيه الالتزامات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط وأوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
تتزامن المعلومات مع تقرير حديث أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بعنوان "تجدد الحرب مع إيران سيختبر مخزونات الاعتراض الأمريكية المتراجعة"، تناول وضع منظومات الدفاع الجوي الأمريكية بعد أشهر من المواجهة العسكرية.
وأوضح التقرير أن مخزون الولايات المتحدة من صواريخ باتريوت الاعتراضية تراجع بنسبة 55% حتى 8 أبريل/نيسان 2026، قبل أن ينخفض بنحو 10% إضافية مع استمرار العمليات العسكرية، ليصل إجمالي الانخفاض إلى نحو 65% من المخزون الأمريكي. ووفقاً للتقديرات، لم يتبق لدى الولايات المتحدة سوى نحو 759 صاروخ باتريوت من الفئة الأكثر تطوراً.
وأشار التقرير إلى أن الطاقة الإنتاجية الحالية لا تسمح بتعويض هذا النقص سريعاً، إذ يبلغ إنتاج الولايات المتحدة نحو 183 صاروخ باتريوت من هذا الطراز سنوياً، بينما تستغرق عملية التصنيع والتسليم نحو ثلاث سنوات ونصف السنة منذ توقيع عقود الشراء، ما يعني أن إعادة بناء المخزون قد تحتاج إلى سنوات إذا استمرت وتيرة الاستهلاك الحالية.
مخزون منظومة ثاد (THAAD)، وهي أكثر منظومات الدفاع الجوي الأمريكية تطوراً لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية، لم يسجل انخفاضاً إضافياً بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لكنه كان قد تراجع بنحو 50% خلال الفترة الممتدة بين 28 فبراير/شباط و8 أبريل/نيسان 2026.
ونقل التقرير عن خبراء عسكريين أن صواريخ ثاد تعد من أكثر الذخائر الدفاعية تعقيداً من حيث التصنيع، ما يجعل تعويضها أكثر صعوبة مقارنة بمنظومات أخرى، خاصة مع ارتفاع الطلب عليها من الحلفاء الأمريكيين.
كما أشارت تقارير حديثة إلى أن الحرب لم تستنزف الصواريخ البرية فقط، بل أثرت أيضاً في مخزونات أسلحة أخرى، بينها صواريخ توماهوك وصواريخ الاعتراض المستخدمة في منظومات الدفاع الجوي، في ظل اعتماد واشنطن على الضربات الدقيقة لتجنب تنفيذ عمليات جوية أكثر خطورة بطائرات مأهولة.
اعتمد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في تقديراته على بيانات صادرة عن دول الخليج، ونماذج تحليلية لحساب أعداد الصواريخ المستخدمة، إضافة إلى وثائق علنية صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) والكونغرس تتعلق بالموازنات العسكرية وخطط شراء الذخائر.
ويرى خبراء أن استنزاف هذا الحجم من الصواريخ الدقيقة يفرض تحديات استراتيجية على الولايات المتحدة، إذ تشكل هذه الأسلحة ركناً أساسياً في أي مواجهة محتملة مع قوى تمتلك دفاعات جوية متطورة، مثل الصين وروسيا، كما أن انخفاض المخزون قد يحد من قدرة الجيش الأمريكي على خوض عمليات متزامنة في أكثر من مسرح عمليات.
في المقابل، تؤكد الإدارة الأمريكية أنها تعمل على زيادة معدلات الإنتاج وتسريع برامج التصنيع لتعويض الذخائر المستخدمة، مشددة على أن القوات المسلحة لا تزال تمتلك ما يكفي من القدرات لمواجهة التهديدات القائمة، رغم المخاوف التي أثارها مسؤولون وخبراء بشأن سرعة استهلاك الصواريخ مقارنة بوتيرة إنتاجها.