كشفت صور أقمار صناعية عن تغيرات واسعة في المرتفعات المحيطة بقلعة الشقيف في جنوب لبنان، عقب التفجيرات الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة أواخر يوليو/تموز، في تطور أعاد تسليط الضوء على الموقع الأثري بعد أيام قليلة من إدراجه على قائمتي التراث العالمي والتراث العالمي المهدد بالخطر التابعتين لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
أظهرت صور فضائية حللتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة ظهور ثلاث ندوب أرضية كبيرة في محيط القلعة خلال الفترة الممتدة بين 28 يوليو/تموز و2 أغسطس/آب 2026، بعدما كانت المنطقة تبدو مغطاة بالنباتات قبل التفجيرات.
وتزامن ظهور هذه التغيرات مع العملية التي أعلن عنها الجيش الإسرائيلي فجر 31 يوليو/تموز، وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس إن الجيش استخدم نحو 700 طن من المتفجرات لتدمير شبكة أنفاق في منطقة الشقيف، قالا إنها تابعة لحزب الله وتشكل جزءاً من خطة للتسلل إلى منطقة الجليل.
وبحسب التحليل الفضائي، تقع الندبة الأولى على بعد نحو 1.3 كيلومتر شمال قلعة الشقيف، بينما ظهرت الندبتان الأخريان على بعد نحو كيلومتر واحد و1.6 كيلومتر جنوبها باتجاه مرتفعات يحمر الشقيف.
وتوضح المقارنة بين الصور أن السفوح التي كانت مغطاة بالنباتات تحولت إلى مساحات فاتحة غير منتظمة، مع انكشاف التربة والصخور وظهور مسارات واسعة يغلب عليها اللون الأبيض المائل إلى الرمادي، في مؤشر على حدوث تغيرات كبيرة في سطح الأرض.
كما أظهرت بيانات مؤشر الغطاء النباتي انخفاضاً واضحاً في كثافة الغطاء الأخضر بالمواقع الثلاثة، إذ اختفت مساحات كانت تعكس وجود نباتات قبل التفجيرات، لتحل محلها مناطق من الركام والصخور والتربة المكشوفة.
ورغم ذلك، لا تسمح الصور الفضائية وحدها بإثبات وجود أنفاق أو تحديد امتدادها أو طبيعة استخدامها، إذ تقتصر قدرتها على رصد التغيرات التي طرأت على سطح الأرض.
تعتمد صور القمر الصناعي "سنتينال-2" على دقة مكانية تبلغ 10 أمتار، وهي كافية لمتابعة إزالة الغطاء النباتي والتغيرات واسعة النطاق، لكنها لا تمكن من رصد فتحات الأنفاق أو الغرف الداخلية أو المسارات الموجودة داخل الجبال.
كما تُظهر الصور أن الهيكل العام لقلعة الشقيف لا يزال قائماً، من دون مؤشرات على انهيار كامل للموقع، إلا أن هذا لا يعني خلوه من الأضرار، لأن دقة الصور لا تكشف التشققات أو سقوط الأحجار أو الأضرار الإنشائية التي قد تكون أصابت المبنى التاريخي بفعل موجات الانفجار.
وأكدت وزارة الثقافة اللبنانية أن القلعة لم تتعرض للتدمير نتيجة التفجيرات، لكنها حذرت من احتمال تعرضها لأضرار هيكلية يصعب تحديدها قبل إجراء كشف ميداني متخصص، موضحة أن استمرار السيطرة الإسرائيلية على المنطقة يحول دون وصول الفرق الفنية لإجراء التقييم.
بدورها، طالبت اللجنة الوطنية اللبنانية للمجلس الدولي للمعالم والمواقع "إيكوموس لبنان" بإجراء تقييم هندسي وفني مستقل وعاجل، معتبرة أن عدم توافر معاينة ميدانية لا ينفي احتمال وقوع أضرار، خاصة أن الموقع تعرض لاهتزازات قوية ناجمة عن استخدام كميات ضخمة من المتفجرات.
كانت اليونسكو قد أشارت قبل التفجيرات الأخيرة إلى تعرض قلعة الشقيف لأضرار خلال العمليات العسكرية السابقة، قبل أن تعتمد في يوليو/تموز الماضي إدراج القلعة، إلى جانب قلاع تبنين وشقرا ودير كيفا وشمع، ضمن موقع "قلاع جبل عامل" على قائمتي التراث العالمي والتراث العالمي المهدد بالخطر، استجابة لطلب عاجل تقدمت به الحكومة اللبنانية بسبب المخاطر التي تهدد هذه المواقع التاريخية.
ويعكس ما أظهرته الصور الفضائية حجم التأثير الذي خلفته التفجيرات في محيط القلعة، فيما يبقى تحديد الأضرار التي أصابت المعلم الأثري نفسه مرهوناً بإجراء معاينات ميدانية متخصصة فور توافر الظروف الأمنية التي تسمح بذلك.