تكشف المراجعات التي تجريها المؤسسة العسكرية الأمريكية عن انتقال إدارة الصراع مع إيران إلى مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما دفعت نتائج الأشهر الماضية القيادة العسكرية إلى البحث عن وسائل ضغط جديدة، إثر محدودية الأثر الذي أحدثته الضربات الجوية المتواصلة في تغيير سلوك طهران أو دفعها إلى تقديم تنازلات في الملفات الخلافية.
وبحسب شبكة "سي أن أن"، طلبت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) من ضباط ومحللين عسكريين تقديم أفكار "إبداعية وغير تقليدية" لمعاقبة إيران، في خطوة غير مألوفة داخل المؤسسة العسكرية، بعدما وجه أحد ضباط الاستخبارات رسالة إلكترونية إلى عدد كبير من المحللين، داعياً إلى طرح مقترحات جديدة، فيما أكد مصدر آخر أن الرسالة جاءت بتوجيه من مسؤول عسكري أمريكي رفيع.
ويعد هذا الإجراء مؤشراً على أن القيادة العسكرية لم تعد تكتفي بالخطط التقليدية، بل فتحت باب النقاش أمام مختلف المستويات العسكرية بحثاً عن خيارات يمكن أن تمنح واشنطن أدوات ضغط إضافية، في وقت تتقلص فيه فاعلية الأدوات المستخدمة منذ بداية التصعيد.
أفادت الشبكة بأن مسؤولين عسكريين وصفوا هذا النوع من الرسائل بأنه غير معتاد، نظراً لأن تطوير الخطط العملياتية يجري عادة داخل دوائر مغلقة، الأمر الذي يعكس حجم المراجعة التي تخضع لها الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع إيران.
ويأتي ذلك بعدما خلصت القيادة المركزية إلى ضرورة إعادة تقييم نهجها العسكري، في ظل استمرار الضربات المتبادلة من دون تحقيق تحول واضح في الموقف الإيراني، أو فرض معادلة جديدة على طاولة التفاوض.
تزامنت هذه المراجعة مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق تنفيذ ضربات جديدة كان قد لوح بها، مفضلاً منح فرصة للمسار التفاوضي المرتبط بمضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، رغم استمرار الاستعدادات العسكرية في المنطقة.
ونقلت الشبكة عن مصدرين مطلعين أن الجيش الأمريكي يواصل إعداد خطط لاستهداف جبل الفأس وعدد من المواقع الإيرانية التي يُعتقد أنها تضم منشآت أو معدات مرتبطة بالبرنامج النووي، في حال صدور قرار سياسي بالمضي في العملية.
لكن التقديرات العسكرية، وفق التقرير، ترى أن استخدام أقوى الذخائر التقليدية الأمريكية قد لا يحقق النتيجة المطلوبة، لأن كثيراً من المنشآت الإيرانية شُيدت في أعماق كبيرة تحت الأرض، بما يجعل تدميرها بالكامل مهمة شديدة التعقيد حتى مع تنفيذ ضربات واسعة.
كما يجري بحث سيناريو آخر يقوم على تنفيذ ضربات محدودة ذات طابع رمزي ضد مواقع سبق استهدافها أو أهداف مشابهة، بما يمنح الإدارة الأمريكية فرصة لإظهار استمرار الضغط العسكري، مع تجنب الانخراط في حرب واسعة النطاق قد تفرض كلفة سياسية وعسكرية مرتفعة.
وأوضحت "سي أن أن" أن هذا الخيار يرتبط برغبة ترامب في المحافظة على أوراق الضغط خلال المفاوضات، بالتوازي مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً، بما يسمح للإدارة الأمريكية بالجمع بين الردع العسكري والتحرك الدبلوماسي.
في السياق نفسه، توصلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) ووكالة استخبارات الدفاع (DIA)، وفق التقرير، إلى أن الضربات الجوية الحالية لن تؤدي على الأرجح إلى تغيير الموقف التفاوضي الإيراني، وهو تقييم عزز القناعة داخل المؤسسات الأمنية بأن القوة العسكرية وحدها لن تحقق الأهداف السياسية المعلنة.
كما أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، بأن العمليات الجوية لا تكفي لتحقيق جميع الأهداف التي وضعتها الإدارة الأمريكية منذ بداية التصعيد، في اعتراف يعكس اتساع الفجوة بين القدرات العسكرية والنتائج السياسية.
وأشار التقرير إلى أن خيارات التصعيد نوقشت على مدى أشهر داخل الإدارة الأمريكية، بالتزامن مع إرسال تعزيزات عسكرية إضافية إلى الشرق الأوسط استعداداً لأي قرار محتمل، إلا أن ترامب امتنع حتى الآن عن الموافقة على حملة قصف واسعة، بعدما تلقى تقديرات حذرت من تراجع مخزون صواريخ الاعتراض الدفاعية، وما قد يفرضه أي تصعيد طويل من استنزاف إضافي للقدرات العسكرية الأمريكية.
يضع هذا الواقع الإدارة الأمريكية أمام خيارات معقدة، فالتوسع في العمليات العسكرية قد يقود إلى مواجهة إقليمية يصعب احتواء تداعياتها، بينما يحد استمرار الضربات المحدودة من قدرة واشنطن على فرض شروطها، في وقت تتمسك فيه إيران بمواقفها، وتواصل الجمع بين الرد العسكري والانخراط في المسار التفاوضي.
وتخلص المراجعة الجارية داخل المؤسسة العسكرية إلى أن المرحلة المقبلة لن تعتمد فقط على تكثيف القوة النارية، بل على إعادة صياغة أدوات الضغط، من خلال مزج الخيارات العسكرية والاقتصادية والسياسية، سعياً إلى تحقيق مكاسب تفاوضية من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد تتجاوز آثارها حدود الصراع بين واشنطن وطهران.