أعادت قرارات 25 يوليو/تموز 2021 رسم المشهد السياسي في تونس بصورة غير مسبوقة منذ ثورة 2011، بعدما انتقلت البلاد من نظام يقوم على توازن السلطات إلى نموذج عزز صلاحيات مؤسسة الرئاسة. وبعد مرور خمس سنوات، لا يزال هذا التحول يثير انقساماً سياسياً وحقوقياً بين من يعتبره مساراً لإنقاذ مؤسسات الدولة من التعطيل، ومن يراه بداية لتراجع المكتسبات الديمقراطية.
تحولات دستورية وسياسية:
أطلق الرئيس قيس سعيّد الإجراءات الاستثنائية بتجميد أعمال البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة وتولي السلطة التنفيذية، قبل أن تتوسع القرارات لتشمل حل البرلمان وإلغاء العمل بدستور 2014، ثم إقرار دستور جديد عام 2022 منح رئيس الجمهورية صلاحيات أوسع، إلى جانب اعتماد نظام انتخابي قائم على الترشح الفردي وإنشاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم.
ويعتبر مؤيدو هذه الخطوات أنها أنهت مرحلة اتسمت بالصراع بين مؤسسات الحكم، ووفرت للدولة قدرة أكبر على اتخاذ القرار وتنفيذ السياسات العامة، بينما ترى المعارضة أنها أضعفت التوازن بين السلطات وقلصت دور المؤسسات المنتخبة.
القضاء في قلب التغييرات:
شهدت المنظومة القضائية إعادة هيكلة واسعة، تمثلت في حل المجلس الأعلى للقضاء وإنشاء هيكل بديل، إضافة إلى إعفاء عشرات القضاة، ضمن مسار قالت السلطات إنه يهدف إلى إصلاح القضاء ومكافحة الفساد واستعادة ثقة المواطنين.
في المقابل، أثارت هذه الإجراءات اعتراضات من هيئات قضائية وحقوقية رأت أنها مست باستقلال القضاء، وأضعفت الضمانات المرتبطة بالفصل بين السلطات، كما رافقتها تحركات احتجاجية داخل الأوساط القضائية وقطاع المحاماة.
ويرى مختصون في الشأن القانوني أن إصلاح القضاء كان مطلباً قائماً قبل عام 2021، إلا أن الخلاف انصب على آليات التنفيذ ومدى تأثيرها في استقلال المؤسسة القضائية.
الحريات والإعلام:
ظل ملف الحريات العامة وحرية الصحافة من أكثر القضايا إثارة للنقاش خلال السنوات الماضية، مع تسجيل ملاحقات قضائية بحق صحفيين ونشطاء وسياسيين، وتطبيق المرسوم 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات.
وتؤكد السلطات أن هذه الإجراءات تستهدف التصدي للأخبار المضللة والجرائم الإلكترونية وحماية الأمن العام، في حين ترى منظمات حقوقية أن توسع تطبيق النصوص القانونية في قضايا الرأي والنشر أدى إلى تضييق مساحة حرية التعبير والعمل الإعلامي.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الملف أصبح أحد أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها لتقييم مسار الحقوق والحريات في تونس خلال المرحلة الحالية.
تحديات اقتصادية مستمرة:
رغم أن تحسين الوضع الاقتصادي كان من أبرز أهداف المرحلة الجديدة، ما تزال تونس تواجه تحديات تتعلق بضعف النمو وارتفاع معدلات البطالة وتراجع الاستثمار، إلى جانب الضغوط على المالية العامة.
تربط الحكومة هذه الصعوبات بتراكمات امتدت لسنوات وبالانعكاسات التي فرضتها الأزمات الاقتصادية العالمية، بينما ترى قوى معارضة أن الإصلاحات الاقتصادية لم تحقق الأثر المطلوب، وأن التركيز انصب على إعادة ترتيب المشهد السياسي أكثر من معالجة الملفات المعيشية.
يعتقد خبراء اقتصاديون أن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحات هيكلية في المالية العامة والاستثمار وسوق العمل، بالتوازي مع توفير مناخ سياسي أكثر استقراراً لجذب رؤوس الأموال وتحفيز النمو.
حصيلة خمس سنوات:
تباينت التقييمات بشأن نتائج مسار 25 يوليو بين من يرى أنه أعاد للدولة قدرتها على الحسم واتخاذ القرار، ومن يعتبر أنه أدى إلى تركيز السلطة وتقليص دور المؤسسات المستقلة، دون تحقيق اختراق اقتصادي يوازي حجم التحولات السياسية.
ويرى خبراء في الشؤون السياسية أن الحكم النهائي على التجربة لا يرتبط فقط بإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، وإنما بقدرتها على تحسين الأوضاع الاقتصادية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتحقيق توازن بين فاعلية السلطة وضمان الحقوق والحريات، وهي ملفات لا تزال تشكل التحدي الأكبر أمام تونس بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية.