ضغوط نقدية متصاعدة
تواجه الليرة السورية واحدة من أصعب مراحلها خلال السنوات الأخيرة، بعدما تجاوز سعر صرف الدولار في السوق الموازية حاجز 14 ألف ليرة قديمة، بالتزامن مع استمرار عملية استبدال الأوراق النقدية القديمة بأخرى جديدة. وبينما يربط البعض هذا التراجع بعملية الاستبدال، يرى خبراء أن الأزمة تعكس بالدرجة الأولى تراجع الثقة بالسياسة النقدية، إلى جانب اختلالات اقتصادية وهيكلية أعمق.
قفزة الدولار وتراجع الليرة
سجلت الليرة السورية خسائر ملحوظة خلال الأسابيع الماضية، مع ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات قياسية في السوق الموازية، بالتزامن مع زيادة أسعار السلع الاستهلاكية بنسب تراوحت بين 20 و35% نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، إضافة إلى لجوء التجار إلى رفع هوامش التسعير تحسبًا لمزيد من تقلبات سعر الصرف.
كما برزت فروقات واضحة في أسعار الصرف بين المحافظات، ما يعكس تفاوتًا في توافر السيولة النقدية الجديدة وآليات توزيعها.
سباق نحو الدولار
مع اقتراب انتهاء مهلة استبدال العملة، ارتفع الطلب على الدولار بصورة لافتة، إذ فضّل كثير من المواطنين تحويل مدخراتهم إلى العملات الأجنبية أو الذهب، خشية مواجهة صعوبات في استبدال الأوراق النقدية القديمة، خاصة في ظل محدودية مراكز الاستبدال وبطء الإجراءات في بعض المناطق.
ويرى اقتصاديون أن هذا السلوك زاد الضغوط على سوق الصرف، لكنه لا يعني أن العملة الجديدة هي السبب المباشر في انخفاض قيمة الليرة.
الأزمة أعمق من استبدال العملة
يشير خبراء إلى أن استبدال العملة أو حذف الأصفار يُعد إجراءً نقديًا فنيًا لا يؤدي بحد ذاته إلى تراجع قيمة العملة الوطنية، ما لم يترافق مع توسع في الإصدار النقدي أو فقدان الثقة بالسياسات الاقتصادية.
ويؤكدون أن الأزمة الحالية ترتبط بمجموعة من العوامل، أبرزها شح احتياطيات النقد الأجنبي، وتراجع الصادرات، والاعتماد الكبير على الواردات، إلى جانب ارتفاع الطلب على الدولار لتمويل التجارة الخارجية، واتساع الفجوة بين العرض والطلب في سوق القطع.
شح السيولة يغذي المضاربات
ساهم محدود توافر العملة الجديدة في زيادة حالة القلق داخل الأسواق، ما فتح المجال أمام المضاربين للاستفادة من حالة الارتباك ورفع الطلب على الدولار والذهب باعتبارهما ملاذين لحفظ القيمة.
ويحذر مختصون من أن استمرار هذه الأوضاع قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط التضخمية، خاصة مع ارتباط أسعار معظم السلع الأساسية بسعر الدولار في السوق الموازية، وهو ما ينعكس مباشرة على تكاليف المعيشة والقوة الشرائية للأسر.
دعوات لإجراءات عاجلة
دعا خبراء اقتصاديون إلى تدخل حكومي سريع لضبط المضاربات وملاحقة المتلاعبين بسوق الصرف، إلى جانب تسهيل عملية استبدال العملة عبر زيادة مراكز التبديل وتمديد المهلة الممنوحة للمواطنين، بما يخفف الضغوط على السوق ويحد من اندفاع المدخرات نحو الدولار.
كما شددوا على أن نجاح مشروع العملة الجديدة يتطلب توفير سيولة كافية في جميع المحافظات، وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي لاستعادة الثقة بالعملة الوطنية.
اختبار حاسم للسياسة النقدية
تكشف التطورات الأخيرة أن أزمة الليرة السورية تتجاوز مسألة استبدال الأوراق النقدية، إذ ترتبط بعوامل اقتصادية ونقدية أكثر تعقيدًا، في مقدمتها تراجع الثقة، وشح العملات الأجنبية، واتساع المضاربات. ويبقى نجاح مشروع العملة الجديدة مرهونًا بقدرة السلطات على استعادة الاستقرار النقدي، وضمان انسياب السيولة، واحتواء التقلبات في سوق الصرف، بما يحد من الضغوط المتزايدة على الأسعار ومعيشة المواطنين.