تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المعادن وبنك السودان المركزي إلى تراجع ملحوظ في عائدات صادرات الذهب عبر القنوات الرسمية، في وقت تتسع فيه الفجوة بين الإنتاج الفعلي والكميات التي تصل إلى خزينة الدولة، ما يفاقم الضغوط على الاقتصاد السوداني.
بلغت قيمة صادرات الذهب المسجلة حتى سبتمبر/أيلول 2025 نحو 909.5 ملايين دولار، مقارنة بأكثر من ملياري دولار خلال عام 2021، رغم استمرار السودان ضمن أكبر الدول المنتجة للذهب في المنطقة.
إنتاج ضخم: مليارات الدولارات خارج خزينة الدولة
نقلت صحيفة "المشهد" السودانية عن وزير المالية جبريل إبراهيم قوله إن إنتاج الذهب في السودان يبلغ نحو 199 طناً سنوياً، بقيمة تتجاوز 26 مليار دولار، إلا أن العائدات التي تدخل إلى خزينة الدولة لا تزال محدودة مقارنة بحجم الإنتاج الحقيقي.
وأوضح الوزير أن الحكومة تعمل بالتنسيق مع وزارة المعادن على توسيع التعدين المنظم، وتقليص التعدين الأهلي تمهيداً لإنهائه، مشيراً إلى أن التعدين التقليدي تسبب في فقدان كميات كبيرة من المعادن النفيسة، بعضها تفوق قيمته قيمة الذهب نفسه.
أرقام مقلقة: 111 طناً مفقودة سنوياً
قدّر جبريل إبراهيم حجم الذهب المفقود بنحو 111 طناً، تصل قيمتها إلى أكثر من 18 مليار دولار، في حين لم تتجاوز الإيرادات التي دخلت الخزينة العامة من إنتاج الذهب خلال عام 2025 نحو 1.8 مليار دولار، وهو أعلى مستوى تحققه البلاد خلال السنوات الخمس الأخيرة، وفق بيانات الشركة السودانية للموارد المعدنية.
السيطرة الحكومية: تراجع حاد خلال خمس سنوات
تكشف البيانات الرسمية تحولاً كبيراً في قدرة الدولة على السيطرة على قطاع الذهب، إذ كانت الحكومة في عام 2020 تسيطر على نحو 99% من الإنتاج، بعدما صدّرت 25.02 طناً من أصل 25.2 طناً تم إنتاجها.
لكن بحلول سبتمبر/أيلول 2025، انخفضت نسبة الصادرات الرسمية إلى نحو 22% فقط، بعدما بلغ الإنتاج 53.5 طناً، بينما لم تتجاوز الكميات المصدرة رسمياً 11.7 طناً.
شبكات التهريب: 90% من الإنتاج خارج الرقابة
أصبحت عمليات تهريب الذهب من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد السوداني، إذ تشير تقارير رسمية إلى أن نحو 90% من إنتاج الذهب يقع تحت سيطرة شبكات التهريب، في ظل ضعف الرقابة وصعوبة السيطرة على حركة المعدن داخل البلاد وعبر الحدود.
وتحرم هذه العمليات الدولة من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، في وقت تحتاج فيه إلى موارد مالية لمواجهة التداعيات الاقتصادية للحرب.
الحرب والاقتصاد: النزاع يعمّق خسائر الذهب
تفاقمت أزمة تهريب الذهب مع استمرار الحرب منذ أبريل/نيسان 2023، التي أدت إلى تراجع الإيرادات العامة، وانهيار أجزاء واسعة من البنية التحتية الاقتصادية، وتدهور قيمة الجنيه السوداني، فضلاً عن تقلص قدرة الدولة على بسط نفوذها في مناطق التعدين.
يمثل الذهب أحد أهم مصادر العملات الأجنبية للسودان، خصوصاً بعد تراجع مساهمة صادرات القطن والصمغ العربي والمنتجات الزراعية الأخرى في دعم الاقتصاد.
كما أسهم توسع مناطق النزاع وسيطرة جهات غير حكومية على بعض مواقع التعدين، لا سيما في دارفور وعدد من ولايات الشرق والوسط، في زيادة صعوبة مراقبة الإنتاج وحركة التصدير.
أسباب التهريب: فجوة الأسعار وضعف الرقابة
ترتبط أزمة تهريب الذهب بعدة عوامل متداخلة، أبرزها استمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق الموازية، ما يجعل بيع الذهب خارج القنوات الرسمية أكثر ربحية للمعدنين والتجار.
وتسهم الحدود السودانية الطويلة مع مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا، والتي تمر عبر مناطق صحراوية واسعة، في تسهيل عمليات التهريب، إلى جانب تراجع سلطة الدولة في مناطق التعدين بسبب النزاع المسلح.
يزيد انتشار التعدين الأهلي غير المنظم من صعوبة تتبع الكميات المنتجة وتوجيهها نحو قنوات التصدير الرسمية.
تحذيرات دولية: الثروة تتحول إلى لعنة
ترى مؤسسات دولية، من بينها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أن الاقتصادات المعتمدة على الموارد الطبيعية دون رقابة فعالة تكون أكثر عرضة لما يعرف بـ"لعنة الموارد"، حيث تتحول الثروات الطبيعية إلى عامل يغذي النزاعات بدلاً من دعم التنمية.
وتشير هذه التقديرات إلى أن الحالة السودانية تمثل نموذجاً واضحاً لهذه الظاهرة، في ظل ارتباط الذهب بالنزاع المسلح وتراجع الاستفادة الاقتصادية منه.
خطة الحكومة: مواجهة التهريب وتنظيم التعدين
تسعى الحكومة السودانية إلى الحد من خسائر قطاع الذهب عبر مسارين رئيسيين، يتمثل الأول في تشديد الرقابة على الصادرات وتوسيع عمليات شراء الذهب بأسعار تنافسية لتشجيع المنتجين على البيع عبر القنوات الرسمية.
أما المسار الثاني، فيركز على تقليص التعدين الأهلي تدريجياً، والتوسع في التعدين المنظم، بهدف إحكام الرقابة على الإنتاج، وتعزيز مساهمة الذهب في دعم الاقتصاد الوطني وزيادة الإيرادات العامة.