يتأرجح المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران بين محاولات التهدئة والتصعيد العسكري، بعدما بدا أن مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو/حزيران قد فتحت بابا لتخفيف التوتر وإعادة حركة الملاحة في مضيق هرمز، قبل أن تنهار الهدنة المؤقتة وتعود الضربات المتبادلة إلى الميدان.
وكشف انهيار التفاهمات سريعا عن وجود فجوات كبيرة في الاتفاق، إذ يبدو أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات سياسية عامة من دون حسم آليات التنفيذ والضمانات العملية، الأمر الذي دفع الوسطاء الإقليميين إلى محاولة معالجة نقاط الخلاف ومنع عودة التصعيد إلى مستويات أكبر.
واشنطن تدرس بين الهدنة والتصعيد
يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قرارا صعبا بشأن مسار الحرب مع إيران، إذ يرى مسؤولون أمريكيون أن الخيارات المطروحة باتت تنحصر بين محاولة التوصل إلى وقف جديد لإطلاق النار لمدة 10 أيام بهدف إعادة فتح مضيق هرمز، أو الانتقال إلى حملة عسكرية واسعة تهدف إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات كبيرة.
ولم يحسم البيت الأبيض خياره النهائي حتى الآن، وسط اعتقاد داخل الإدارة الأمريكية بأن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد اتجاه الأزمة، مع تراجع فرص استمرار المواجهة المفتوحة لفترة طويلة بسبب ارتفاع تكاليفها العسكرية والاقتصادية.
وفي موازاة الاستعداد العسكري، يستمر المسار الدبلوماسي عبر وساطات تقودها قطر ومصر وباكستان ودول أخرى، حيث نقلت مصادر إقليمية أن هذه الأطراف قدمت مقترحا لوقف إطلاق النار لمدة 10 أيام بين واشنطن وطهران.
وتدرس الإدارة الأمريكية المقترح، كما طلبت من إسرائيل تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى إغلاق المسار الدبلوماسي، وفقا لمسؤولين أمريكيين.
في المقابل، تستعد واشنطن لاحتمال فشل المفاوضات، حيث أرسلت خلال الأيام الماضية طائرات مقاتلة وطائرات تزويد بالوقود إلى المنطقة، بينما رفعت إسرائيل مستوى جاهزية جيشها تحسبا لاحتمال توسع المواجهة إلى عملية عسكرية أكبر.
معركة هرمز تعقد الحسابات
تأتي التحركات السياسية وسط استمرار الأزمة في مضيق هرمز، حيث لم تتمكن الضربات الأمريكية المتواصلة من إنهاء قدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة، بينما وسعت طهران عملياتها ضد السفن التجارية والبنية التحتية في الخليج.
وأدى استمرار التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 90 دولارا للبرميل، في ظل مخاوف من تأثير أي تعطيل طويل للمضيق على أسواق الطاقة العالمية.
ويحاول الوسطاء الإقليميون التوصل إلى صيغة توقف دورة الضربات المتبادلة، عبر هدنة جديدة تسمح بإعادة فتح خطوط الملاحة في المضيق.
وبحسب المقترحات المتداولة، يمكن أن تشمل الترتيبات المستقبلية نظاما يتيح لإيران الحصول على رسوم مقابل خدمات مرتبطة بالأمن البحري والحماية البيئية، على غرار بعض النماذج المستخدمة في ممرات بحرية دولية أخرى.
كما يتضمن أحد الخيارات إنشاء صندوق مشترك تديره جهات دولية مختصة لتوجيه هذه الرسوم وتنظيم آلية تشغيل المضيق.
وتحاول هذه الأفكار البناء على مباحثات سابقة جرت بين إيران وسلطنة عمان وقطر في مسقط، بعدما طالبت واشنطن طهران بإعلان التزامها إبقاء المضيق مفتوحا، إلا أن تلك المحادثات انتهت دون اتفاق، قبل استئناف الهجمات والتصعيد العسكري.
وزاد الوضع تعقيدا دخول الحوثيين على خط الأزمة بإعلان تحركات تستهدف فرض قيود بحرية على موانئ سعودية، ما فتح مسارا إضافيا للضغط على خطوط الطاقة والملاحة في المنطقة.
نتنياهو وحسابات التصعيد الأمريكي
تزداد حالة عدم اليقين مع اقتراب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، في وقت لم تتضح فيه طبيعة الدور الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.
وكانت إسرائيل قد شاركت مع الولايات المتحدة في بدء الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط، لكنها غابت عن موجة الضربات الأمريكية الأخيرة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا على وجود حسابات مختلفة داخل التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
وقال المدير العام لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى مايكل سينغ إن إيران تدرك احتمال تصاعد الوضع إذا قررت إسرائيل العودة إلى المشاركة المباشرة، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن غيابها قد يعطي انطباعا بوجود رغبة أمريكية في احتواء الصراع.
ورغم العلاقات الوثيقة بين نتنياهو وترمب، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي يواجه انتقادات داخل واشنطن، حتى من بعض الدوائر القريبة من الرئيس الأمريكي.
وتحمل زيارته المقبلة أهمية خاصة، إذ يدرس ترمب إمكانية استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، قد تشمل مشاركة إسرائيلية مباشرة.
ويرى مراقبون أن لقاء نتنياهو بترمب قد يكون عاملا مؤثرا في تحديد قرار واشنطن، سواء باتجاه العودة إلى التصعيد أو منح فرصة جديدة للمفاوضات، خصوصا أن الجولات السابقة من التوتر شهدت تحركات دبلوماسية رافقت أحيانا خططا عسكرية مفاجئة.