برز خلاف علني غير معتاد بين واشنطن وتل أبيب بعد انتقادات وجهها نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس لإسرائيل، على خلفية محاولاتها التأثير في مسار السياسة الأمريكية تجاه إيران، وسط نقاش داخل الإدارة الأمريكية حول مستقبل المواجهة مع طهران وإمكانية الانتقال من الخيار العسكري إلى مسار تفاوضي.
وجاء موقف فانس في وقت تبدي فيه إسرائيل رفضا لأي اتفاق أمريكي محتمل مع إيران يسمح لطهران بالحفاظ على أجزاء من قدراتها العسكرية أو إعادة بناء برنامجها النووي والصاروخي.
وقال فانس إن إسرائيل لا يمكنها الاعتماد على العمليات العسكرية والقتل كوسيلة وحيدة لمعالجة جميع التحديات الأمنية، في رسالة اعتبرت انتقادا مباشرا للنهج الإسرائيلي القائم على استمرار الضغط العسكري.
كما ذكّر إسرائيل بأن الولايات المتحدة قدمت دعما عسكريا واسعا خلال المواجهة الأخيرة، وأن جزءا كبيرا من الأسلحة الدفاعية التي استخدمتها تل أبيب جاء بتمويل من دافعي الضرائب الأمريكيين.
وحذر من أن أي محاولة لضرب "الحليف الوحيد القوي المتبقي" لإسرائيل في العالم ستكون لها تداعيات على العلاقة بين الطرفين.
خلاف حول مستقبل الحرب مع إيران
ورغم عدم وضوح مدى دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لتصريحات نائبه، فإن الرسالة التي حملها خطاب فانس تشير إلى رغبة واشنطن في التأكيد على أن إسرائيل لا تستطيع تحديد مسار السياسة الخارجية الأمريكية أو فرض أولوياتها على حساب الحسابات الأمريكية الأوسع.
ويعكس هذا الموقف وجود اختلاف في ترتيب الأولويات بين الحليفين، فبينما ترى إسرائيل أن استمرار الضغط العسكري على إيران ضروري لمنعها من استعادة قدراتها، تركز واشنطن بشكل أكبر على إيجاد حلول للملفات التي تؤثر مباشرة على مصالحها، وفي مقدمتها أمن الملاحة في المنطقة.
من إسقاط النظام إلى البحث عن تسوية
وقبل أشهر، كانت العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تبدو مختلفة تماما، بعدما اعتقد الطرفان أن الضربات العسكرية التي بدأت في 28 فبراير/شباط 2026 ضد إيران قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني المستمر منذ عقود.
وكانت التقديرات الأمريكية والإسرائيلية تشير إلى أن استهداف القيادات العليا الإيرانية قد يفتح الطريق أمام تغيير سياسي واسع في طهران، وربما ظهور حكومة أكثر قربا من الغرب.
لكن هذا السيناريو لم يتحقق، إذ تعرضت القيادة الإيرانية لضربات كبيرة، إلا أن النظام تمكن من الحفاظ على تماسكه ولم ينهَر كما توقعت بعض التقديرات.
إسرائيل ترفض إنهاء المواجهة
ترى إسرائيل أن أي اتفاق ينهي الضغط العسكري والاقتصادي على إيران قد يمنح طهران فرصة لإعادة ترتيب قواتها واستعادة قدراتها العسكرية، خصوصا إذا حصلت على عائدات جديدة من صادرات النفط بعد رفع العقوبات.
ولهذا تعارض تل أبيب أي تسوية أمريكية تسمح لإيران باستئناف النشاط الاقتصادي مقابل تهدئة عسكرية أو تفاهمات محدودة.
وتعتقد الحكومة الإسرائيلية أن النظام الإيراني، منذ عام 1979، ينظر إلى علاقته مع إسرائيل والغرب باعتبارها صراعا طويل الأمد، وأن أي فرصة لإعادة بناء القدرات الإيرانية ستشكل تهديدا مباشرا لها.
وبناء على هذا الموقف، تدفع إسرائيل باتجاه اتفاق نووي شديد القيود مع إيران، يتضمن منع تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وتدمير المخزونات الموجودة، وإخضاع المنشآت النووية لرقابة مشددة، مع التلويح بالرد العسكري في حال حدوث أي خروقات.
اختلاف الأولويات بين واشنطن وتل أبيب
ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتفقان على ضرورة الحد من قدرات إيران العسكرية، فإن الخلاف بينهما يتعلق بالأولويات والوسائل.
فواشنطن تبدو أكثر اهتماما حاليا بإيجاد حل لأزمة مضيق هرمز، الذي يمثل ممرا حيويا للتجارة العالمية والطاقة، سواء عبر المفاوضات أو عبر وسائل عسكرية.
أما إسرائيل فتخشى أن يؤدي استقرار الملاحة في المضيق إلى دفع ترمب نحو إغلاق الملف الإيراني مؤقتا وتأجيل القضايا الأخرى، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وترى تل أبيب أن أي تخفيف للضغط على إيران قد يسمح لها بإعادة تنظيم قدراتها العسكرية.
تصعيد أمريكي محدود ومخاطر الانفلات
ورغم عدم عودة الولايات المتحدة إلى حملة قصف واسعة، فإن العمليات العسكرية ضد إيران تصاعدت خلال الفترة الأخيرة، بحسب التطورات الميدانية.
ويصف بعض الخبراء هذه المرحلة بأنها "تصعيد متحكم فيه"، حيث ترفع واشنطن مستوى الضغط العسكري دون الوصول إلى حرب شاملة كما حدث في مراحل سابقة.
لكن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، إذ يمكن أن يؤدي أي رد إيراني واسع إلى تغيير المعادلة، خصوصا إذا استهدفت طهران قواعد أمريكية في المنطقة، أو تسببت في اضطراب كبير لحركة الملاحة في الخليج، أو شنت هجمات تؤدي إلى خسائر بشرية أو أضرار واسعة.
وفي حال تطورت المواجهة بهذا الاتجاه، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيار العودة إلى عمليات عسكرية أكبر ضد إيران.
رسالة فانس تتجاوز الخلاف الإيراني
إذا تخلت واشنطن في النهاية عن مسار التفاوض مع طهران، فقد تتراجع المخاوف الإسرائيلية من احتمال عقد اتفاق أمريكي لا يلبي مطالبها.
لكن الانتقاد العلني الذي وجهه فانس إلى إسرائيل يحمل رسالة أوسع، مفادها أن الولايات المتحدة لا تريد أن تظهر كطرف تابع لحلفائها، وأنها ستحتفظ بحق تحديد سياساتها وفقا لمصالحها الخاصة حتى مع أقرب شركائها.