لبنان: المؤسسات الجنوبية تواجه إعادة الإعمار بجهود فردية

2026.07.25 - 09:13
Facebook Share
طباعة

 لم تدخل المؤسسات التجارية والصناعية في الجنوب اللبناني ضمن جداول التعويضات الرسمية أو غير الرسمية بعد الحربين اللتين شهدتهما البلاد خلال عامي 2024 و2026، ما أبقى ملف خسائر هذه الفئة الاقتصادية خارج دائرة المعالجة الفعلية، رغم الدور الذي تؤديه في تأمين فرص العمل وتحريك الدورة الاقتصادية المحلية.

وبينما تركز الاهتمام الرسمي غالبا على الأضرار التي لحقت بالمنازل والوحدات السكنية، بقيت خسائر أصحاب المؤسسات، بما تمثله من استثمارات ورؤوس أموال ومنشآت إنتاجية، من دون آلية واضحة للحصر أو التعويض أو إعادة التشغيل.

وتكشف جولة ميدانية في بلدة عربصاليم الجنوبية، إحدى بلدات إقليم التفاح، حجم الأضرار التي أصابت القطاع التجاري والخدمي، حيث تضم البلدة نحو خمسين مؤسسة متنوعة بين التجارة والإنتاج والخدمات، كانت تخدم سكان البلدة والقرى المحيطة بها.

 

خسائر بملايين الدولارات

تظهر الخسائر التي تعرضت لها المؤسسات في عربصاليم حجم التأثير الاقتصادي للحرب، إذ يقدّر محمد فرّان خسائره بنحو مليون ونصف مليون دولار، مؤكدا أن هذه الخسائر أصبحت تحت ركام المجمع التجاري الذي كان يملكه.

كما يقدّر صاحب "مؤسسة الطيب للأجبان والألبان" حجم خسائره بنحو نصف مليون دولار، في حين وصلت أضرار معمل "تي كي جوس" إلى نحو 200 ألف دولار.

ويرى الخبير الاقتصادي حسن مقلد أن استهداف المؤسسات الاقتصادية لا يمكن فصله عن طبيعة الحروب التي شهدها لبنان، مشيرا إلى أن الأضرار لم تقتصر على مواقع مرتبطة بالعمليات العسكرية، بل طالت منشآت إنتاجية وزراعية وخدمية وبنى أساسية مرتبطة بحياة السكان.

وأوضح مقلد أن خسارة أي مؤسسة لا تؤثر على صاحبها فقط، بل تمتد إلى العمال والموردين والأسواق المحلية، وتؤثر بشكل مباشر على الدورة الاقتصادية في المنطقة.

وأضاف أن التحدي الأساسي يتمثل حاليا في صعوبة تحديد الحجم الحقيقي للخسائر، بسبب تنوع الأضرار التي تشمل الأبنية والمعدات والمخزون وتعطل الإنتاج والنشاط الاقتصادي.

 

أصحاب المؤسسات يعيدون التشغيل بإمكاناتهم

وأكد مقلد أن إعادة النهوض الاقتصادي تحتاج إلى خطة وطنية تبدأ بإجراء مسح شامل للأضرار، وتحديد احتياجات المؤسسات المتضررة، مشيرا إلى أن العديد من أصحاب المؤسسات بدأوا بالفعل بمحاولات إعادة التشغيل قبل وجود أي مسار رسمي للتعويض.

وكان مجمع محمد فرّان التجاري يشكل أحد المراكز الاقتصادية المهمة في عربصاليم، حيث كان يضم فرنا للمعجنات بمساحة 250 مترا مربعا، وملحمة مجهزة، وسوبرماركت ومستودعات ومرافق أخرى.

وتعرض المجمع لغارة إسرائيلية أدت إلى تدميره بالكامل، ولم تقتصر الأضرار على المبنى، بل شملت المعدات والتجهيزات والمخزون والبضائع.

ورغم حجم الخسارة، لم ينتظر فرّان إجراءات التعويض، بل عمل على إنشاء بديل مؤقت من خلال شراء حاويتين وتحويلهما إلى مساحة إنتاج للفرن، إضافة إلى تأمين المعدات اللازمة لإعادة العمل، باعتبار أن توقف المؤسسة يعني فقدان مصدر رزق لعدد من العائلات وتعطيل جزء من الحركة الاقتصادية في البلدة.

 

تدمير مرافق الخدمات الأساسية

ولم تقتصر الأضرار على المؤسسات التجارية، بل طالت مرافق تقدم خدمات أساسية للسكان.

فقد تعرضت محطة المحروقات التابعة لإسماعيل وهبة للدمار، حيث يقدّر خسائرها بأكثر من مليون دولار.

وأشار وهبة إلى أن إعادة تشغيل المحطة كانت أولوية، لأن توقفها لا يعني خسارة مشروع خاص فقط، بل يؤدي إلى تعطيل خدمة يحتاج إليها أبناء البلدة، لذلك بدأ بإصلاح الأضرار وتأمين التمويل اللازم لإعادة العمل.

 

الصناعات الغذائية تواجه تداعيات الحرب

كما تعرضت مؤسسة الطيب للألبان والأجبان، التي تأسست عام 1999، لأضرار كبيرة بعد استهداف المنطقة التجارية التي تقع فيها، ما أدى إلى تدمير المبنى والتجهيزات والمخزون.

وبعد نحو أسبوع من تعرضها للضرر، عادت المؤسسة إلى العمل من محل أصغر مقابل الموقع المدمر، بهدف الحفاظ على استمرار توفير المنتجات للأهالي.

أما معمل "تي كي جوس" المتخصص بإنتاج العصائر الطبيعية، فلم تقتصر خسارته على الأضرار المادية، بل امتدت إلى شبكة العمل التي بناها خلال سنوات.

وكان المعمل يوفر مصدر دخل لأكثر من عشرين عائلة، ويرتبط بشبكة توزيع واسعة في عدد من البلدات الجنوبية.

وفي 24 مايو الماضي، تعرض المعمل لغارة إسرائيلية أدت إلى تضرر نحو نصفه، وقدّر صاحبه طه قبلان الخسائر بنحو 200 ألف دولار، تشمل الأضرار التي أصابت المبنى والمعدات وأربع سيارات، بينها سيارة مخصصة للنقل المبرد.

وأوضح قبلان أن الخسارة الأكبر تمثلت في تراجع الإنتاج وفقدان جزء من الأسواق، إذ انخفض الإنتاج اليومي من نحو ثلاثة آلاف قنينة إلى النصف تقريبا، بسبب الأضرار وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق التي كانت ضمن شبكة التوزيع، إضافة إلى تضرر عدد من المتاجر التي كانت تبيع منتجات المعمل.

وأكد أن المؤسسة تواصل العمل بالحد الأدنى للحفاظ على الموظفين وإعادة توسيع النشاط، رغم عدم الحصول على أي تعويضات أو مساعدات مالية.

 

البلدية تحاول حصر الأضرار

وقال رئيس بلدية عربصاليم علي حسن إن البلدة تضم أكثر من خمسين مؤسسة تجارية تعرضت لأضرار متفاوتة، موضحا أن البلدية أجرت عمليات إحصاء ومعاينات أولية ضمن إمكاناتها.

وأشار إلى أن البلدية تعمل بالتوازي على إعادة الخدمات الأساسية ومساعدة بعض المؤسسات على إيجاد حلول مؤقتة، لكنه أكد أن حجم الأضرار يفوق قدرات البلديات ويحتاج إلى دعم رسمي لإعادة إطلاق الحركة الاقتصادية.

 

تدمير شبكات الكهرباء الخاصة

وطالت الأضرار أيضا قطاع الكهرباء الخاص، إذ أدى استهداف موقع "اشتراك الرحمة" إلى تدمير منظومة كانت توفر الكهرباء لعدد كبير من سكان عربصاليم.

وأوضح صاحب المشروع حيدر حيدر أن القصف أدى إلى احتراق الموقع الذي كان يحتوي على مولدين بقدرة 500 و350 كيلو فولت أمبير، إضافة إلى ثلاثة خزانات وقود تضم نحو 16 ألف لتر من المازوت، فضلا عن الكابلات وأنظمة التحكم.

وقدّر حيدر خسائره بنحو 300 ألف دولار، مؤكدا أنه لم يحصل على أي تعويض مالي، باستثناء مساعدات عينية قدمتها البلدية.

ومنذ اليوم الأول للهدنة، بدأ بإصلاح الأضرار وإعادة تأهيل الشبكات، مؤكدا أن استمرار الخدمة يمثل جزءا أساسيا من عودة الحياة الطبيعية في البلدة.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
Ajouter un commentaire
* Type the result 10 + 4

Lire aussi